دفاعا عن الترابي أم طعنا في الشريعة؟؟ ... حسن عبد الحميد*
البيان الكارثة
السياسي السوداني الكبير في منتصف السبعينيات ـ أيام المعارضة لنظام مايو ـ حينما ضاق ذرعا بتطلعات وطموحات منافسه السياسي زعيم الحزب الآخر أطلق مقولة بلغت الآفاق وصارت مثلا، قال: ( هذا الرجل ـ يعني منافسه السياسي ـ إذا رأى جمعا يلتف حول عريس تمنى أن يكون هو العريس، وإذا رأى جمعا يلتف حول جنازة تمنى أن يكون هو المتوفي ) وهذه العبارة تفسر كثيرا من تصرفات بعض السياسيين السودانيين. جلسنا في الأيام الماضية مع أحد قادة الحركة الإسلامية في السودان، فقال لنا: ( الترابي يريد بآرائه الشاذه التي يطلقها هذه الأيام أن يشتهر، وسنحقق له رغبته ولكن على نحو آخر بتفنيد هذه الآراء وبيان شذوذها وفسادها) .
ويوم السبت الماضي 22/4/2006م كان يوما مثيرا فيما يتعلق بآراء الترابي، ففي هذا اليوم كان اتحاد جامعة الخرطوم يستضيف الترابي ليمارس هوايته في الإثارة وانتزاع التصفيق ولو كان من أكف اليساريين والعلمانيين وبقايا الجمهوريين، وفي نفس الأمسية وعلى بعد أمتار منه كان المشايخ في الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة يعقدون مؤتمرا صحفيا ويفتون بكفر وردة الترابي، وفي نفس اليوم ظهرا كانت ثلة مختلطة من تيارات متنافرة تجتمع في مقر المنظمة السودانية لحقوق الإنسان بالعمارات لتدافع عن الترابي، ثم تمضي قدما لتطالب بإلغاء المادة 126 من القانون الجنائي السودان، وهي المادة المتعلقة بحد الردة، وهاهنا مجموعة من المفارقات تطل برأسها.
أولى هذه المفارقات أن المادة التي طالب المجتمعون بإلغائها كان من أثبتها في القانون الجنائي السوداني ـ أو سكت على إثباتها ـ هو الترابي نفسه!! والمعلوم أن هذه المادة دخلت القانون الجنائي السوداني أواخر أيام الرئيس النميري حينما أصدر مجموعة من القوانين في العام 1983م أطلق عليها العلمانيون ـ ومن لف لفهم ـ قوانين سبتمبر تحاشيا لذكر الشريعة الإسلامية التي كانت مثبتة في عدد من تلك القوانين، وكان الترابي حينها مستشارا لرئيس الجمهورية وحليفا أساسيا لنظام مايو. ثم لما انتهى عهد النميري بعد انتفاضة أبريل 1985م وتشكلت الحكومات الديمقراطية لم تستطع إلغاء هذه المواد، ولما أصبح الترابي نائبا عاما أيام حكومة الوفاق في العام 1988م وتقدم بمشروع القانون الجنائي السوداني أثبت فيه هذه المادة أيضا، إذ أن الترابي رغم عدم اقتناعه بقتل المرتد؛ إلا أنه لم يستطع أن يخالف الرأي العام في الجبهة الإسلامية التي يتزعمها آنذاك والتي يرى قادتها ـ وقواعدها ـ أنه لا بد من إثبات هذا الحد. ثم لما أصبح الترابي متنفذا في عهد الإنقاذ الأول ـ قبل قرارات ديسمبر 1999م ـ تم إثبات هذه المادة في القانون الجنائي السوداني، ولم نسمع من الترابي مطالبة بإلغائها، فإذا كان الترابي نفسه الذي تدافع عنه هذه المجموعة هذا هو تاريخه مع هذه المادة؛ فهل رأيتم اصطيادا في الماء العكر أسوأ من هذا الصنيع؟
ومفارقة أخرى تبرز حينما تطالع أسماء المجموعة التي تطالب بمثل هذا المطلب، ولا أعني مجموعة العلمانيين واليساريين الذين لا يُستغرب منهم مثل هذا، لكن يفاجأ المرء حينما يرى أن من بين المطالبين بإلغاء هذه المادة ـ رغم أنها تستند إلى أصل شرعي ـ أمثال الدكتور الطيب زين العابدين أحد أبرز الإسلاميين في العقدين الماضيين، والدكتور محمد محجوب هارون، وأبوبكر عبد الرازق، والأخيرين أيضا من الإسلاميين الذين ظلوا يدافعون عن حاكمية الشريعة ردحا من الزمن، وإن كان آخرهم من التلاميذ المخلصين للترابي؛ لكني لم أكن أتصور أن يتجاوزوا الحدود الشرعية دفاعا عن رأي شاذ لم يستطع صاحبه حينما كان متنفذا أن يدافع عنه.
ولا تنتهي المفارقات حينما تطالع من بين المطالبين بإلغاء هذه المادة اثنتان من نساء الأنصار: رباح الصادق المهدي، وسارة نقد الله. والسؤال موجه لجماهير الأنصار، هل تمثلكم هذه الآراء وتستطيعون أن تدافعوا عنها؟ وهل هذا الآراء تشبه تراث المهدية ورجالها؟ أفتونا يرحمكم الله.
أيها الناس..
لا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون.