بقلم: خميس بن علي الماجري*
إنّ من المعلوم بالسّياسة بالضّرورة في تونس أنّ السّلطة هناك بحكم طبيعتها الشّموليّة المنغلقة والمتطرّفة لا تتحمّل المنافسة السّياسيّة كما لا تقبل بتاتا المزايدة الدّينيّة ولذلك تعرّض التّديّن في تونس منذ أن تسلّمت تلك السّلطة البلد من فرنسا إلى عقوبة بشعة وإنتقام شرس تناقص مع الزّمن حتّى بروز الصّفة السّياسيّة للصّحوة الإسلاميّة الأولى منذ 1981 .
لقد عظم حجم كرب المتديّنين و بلغ أشدّه بعد إنتخابات 1989 وشاعت ثقافة الطّعن في الدّين من جهة ، كما شاعت ثقافة الهبوط كانت نتائجها كارثيّة على شعبنا تبيّنها بشاعة الجرائم وآنتشارها وسيادة الخوف والرّعب والضّيق الّذي يعيشه النّاس في البلد إلى درجة أن أصبح ذبح التّونسيّ لأخيه في الشّوارع وفي وضح النّهار أمرا عاديّا ...
لقد إختزلت السّلطة كما هي طبيعة الأنظمة الشّموليّة الإسلام في مسائل العبادات ، بل حتّى العبادات عودي أهلها . فزوّرت دولة"التّجفيف"الدّين تحت حجّة التّحوّلات الإجتماعيّة ، و حاربت الصّحوة دون ذنب ، تحت عنوان"تونسة التّديّن"لأنّها مشرقيّة المرجعيّة والتّوجّه ، وآدّعت أنّ الصّحوة الجديدة ماضويّة ومنغلقة .. وهذا ما يوضّح بكلّ جلاء أنّ السّلطة لها مشكل مع الإسلام ذاته تصوّرا وإلتزاما. وهذه هي المشكلة في حقيقتها: المستهدف هو الإسلام في عقائده وأخلاقه ونظمه ومن يعبّر عنه من تمثّل عامّ في أشخاص ومؤسّسات فضلا عن أفكاره المتحرّرة من الأهواء والشّبهات ، وأنّ اللاّفتات الّتي ترفعها السّلطة من هنا وهناك في تبنّيها للإسلام ، ما هي إلاّ تضليلات ..
ومن ثمّ لا تعجب من خطب المدح الغربيّة لهذه الخطّة ، لما قدّمته من خدمات عظمى لهم ، وآخرها ما جاء على لسان رومسفلت الأمريكي.
إنّ حجم الإستهداف الّذي تعرّض له الخلط بين تجفيف الإسلام في تونس وبين المواجهات الأمنيّة الّتي لحقت الصّحوة لم تعرفه دولة في الأرض، ولو آستعملت السّلطة الجهد كلّه ، أو قل ربعه لمحاربة التّخلّف وتحقيق التّنمية لتفوّقنا على ماليزيا وأندونيسيا ! ولكن أنّى لها ذلك وقد آستأصلت عبر ردم منهجيّ ومنظّم للينابيع المتنوّعة والّتي من أهمّها إستهداف أفضل رجال تونس خلقا وإدارة لكلّ معارك التّخلّف .
إنّ العدوان الّذي لحق بالتّديّن في تونس خرق كلّ الشّرائع والقوانين والقيم والأعراف . وإنّ السّلطة الّتي جعلت بتهوّكها الموضوع الإسلاميّ في قلب المعركة السّياسيّة في تونس وهي تريد أن تبعده عن ذلك ، لتستفزّ التّونسيّين لتجيّش كلّ مسلم في العالم ضدّها ، لأنّها آفتعلت عداوات كانت في غنى عنها مع كلّ مسلمي العالم ، وجلبت لنفسها السّخط من"منظّمات حقوق الإنسان الدّوليّة"، وأسّست لعنصريّات التّفريق بين النّاس في أرض الخضراء حتّى لكأنّها جعلت من المسلم الملتزم في درجة متخلّفة أمام متساكنه الملحد أو اليهودي أو النّصرانيّ. و ذهبت تخلط الأمور ، فتعدّى مكرها إلى الإسلام ذاته: عقائده ومناهجه وذهبت تتّهم الإسلام أنّه قرين التّطرّف والإرهاب بل هو الّذي يصنع ذلك.. وما تغيير مناهج التّعليم السبّاقة في سنة 1989 إلاّ دليلا صارخا على ما أقول ...
إنّ القيادة العاقلة هي الّتي تحرص دائما على أن لا تصادم شعبها ، خاصّة في أعظم مقدّساتها وثوابتها ، وهي الّتي لا تنسى أبدا أنّ التّحكّم في خصوصيّات الإنسان تزيد في إبعاد الشّقّة بينها وبين شعبها وتزيد في تعميق الرّفض لها ، هذا فضلا عن نفاذ الأمر القدري في كلّ ظالم . وهل هناك ظلم أعظم من منع دولة لآمرأة أحرمت للحجّ بلباس حرصت على التّمسّك به بعد تمام مناسكها ؟؟؟