فهرس الكتاب

الصفحة 5603 من 27345

د. عبد الرحمن بن أحمد الجرعي جامعة الملك خالد - كلية الشريعة 17/3/1424

هناك اتجاه أصيل في الكتابة الدعوية مفاده ربط المباحث الدعوية والتربوية بالقواعد الفقهية والأصولية ، وهو تجاه أملته الحاجة إلى التأصيل الشرعي لكثير من قضايا الدعوة ، خاصة بعد ظهور اجتهادات غريبة عن الحس الإسلامي في بعض أوساط الدعاة ، فالاستنارة بهذه القواعد يسهم في ضبط الاجتهادات الدعوية ،كما أن هذه القواعد توفر مادة خصبة للدعاة ليفيدوا منها في الاستدلال والتقعيد والتنظير.

إن كتابة المباحث الدعوية في ظل هذه القواعد الفقهية أو الأصولية يسهم في ربط الاجتهادات الدعوية برباط شرعي متين منضبط ، ويعطي للدعاة مرجعية موثوق بها خاصة أن القواعد الفقهية الكبرى تحظى باتفاق الغالبية من الفقهاء ، كما أنها تبين عوار التصرفات الشاذة ، التي تمارس في غفلة من الوعي ، وغلبة الهوى أو الجهل .

وهذا الاتجاه في الكتابة -على حسب علمي - حديث نسبيا ، وإن لم يغفل بالكلية ، وأنا هنا أشير إلى كتابات المعاصرين ، أما السلف فإن حديثهم عن المباحث الدعوية يأتي ضمن فنون متعددة ، ولعل الحاجة إلى إفراد المباحث الدعوية في تصانيف مستقلة - كما هو الحال الآن - قد أملاه التوسع في التخصصات .

ومن الكتابات التي رأيتها في هذا المجال ما كتبه الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني في كتابه القيم (القواعد الشرعية ودورها في ترشيد العمل الإسلامي) ضمن سلسلة (كتاب الأمة) وكذلك ما كتبه الدكتور محمد القباطي ضمن كتابه (فقه الكسب/ نشر: دار الأندلس الخضراء) حيث ألمح إلى بعض التطبيقات الدعوية ، وما كتبه ناصر درويش في كتابه (قواعد فقهية لترشيد الصحوة الإسلامية)

وما أرجو أن تضيفه هذه الدراسة هو: ملامسة الواقع الدعوي كتطبيق حي لهذه القواعد ، وإن لم تخل الدراسات السابقة من هذا الأمر ، فلهم فضل التقدم والسبق

فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... ...

بسعدى شفيت النفس قبل التقدم

ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... ...

بكاها فقلت الفضل للمتقدم*

وقبل الكلام عن هذه التطبيقات أشير إلى نقطتين:

الأولى: أن الدعوة إلى الله قربة وعبادة (1) ، وهي ممارسة تنطلق من مشكاة الشريعة ، فلا بد من مراجعة الخطوات ليعلم هل ممارساتنا الدعوية منطلقة من قواعد الشريعة ، أم أننا وجدنا من قبلنا على سنن فنحن نتبعهم ، وما دامت الدعوة عبادة فيجب أن تكون على مقتضى ما يرضاه الشارع الحكيم .

الثانية: أن هذه التطبيقات اجتهادية ، خاضعة للمراجعة والتمحيص والإضافة والحذف ، وتخضع كذلك لمعرفة البيئة الدعوية وما يعتريها من ممارسات ، وما يكون فيها من قضايا تحتاج إلى اجتهاد في تلمس الحكم الشرعي من خلال هذه القواعد ، التي هي بمثابة المنارات الهادية في الطريق اللاحب .

معنى القاعدة: هي حكم أو أمر كلي أو قضية كلية تفهم منها أحكام الجزئيات التي تندرج تحتموضوعها وتنطبق عليها (الوجيز في القواعد الفقهية الكلية ، للبورنو ص16)

القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها:

ومن أدلة هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) أخرجه الستة.وهذا الحديث مهم حيث ذكر بعضهم أنه يدخل في سبعين بابا من أبواب العلم ، وبعضهم قال هو ثلث العلم (الأشباه والنظائر،للسيوطي ص8،9)

ومن التطبيقات الدعوية لهذه القاعدة:

1-الدعوة إلى الله عمل يتقرب به إلى الله فلا بد له من نية، فحضور الفعاليات الدعوية والمشاركة فيها ، ودعوة الغير إليها ، والحرص على ذلك كل ذلك مداره على النية والقصد .

2-الباعث على الانضمام لركب الدعاة ما هو: شهرة أم مكاسب مادية، أم قضاء وقت الفراغ وطرد الملل والسأم ، أم الاستزادة من الثقافة والمعرفة . أم هو القيام بالواجب الشرعي . ولكل نية حسابها ، والنية الحسنة درجات بحسب أثرها ، ونفعها لصاحبها ، وللمجتمع .

3-العناية بأصحاب المواهب والقدرات المتميزة ما دافعه ؟ أهو عاطفة شخصية ؟أم هو عراك أقران ؟ أم هو كحرص أبي حنيفة على أبي يوسف حين ظل ينفق عليه عشر سنين حتى شدا في العلم ، وأصبح من أعظم قضاة الأرض وفقهائها

4-قد يسئ لك الشخص وأنت الداعية إلى الله أو المربي وهو غير قاصد للإساءة ، ولم يظن أنها تبلغ ما بلغت ، فحكمه يختلف عن حكم من تقصد الإساءة ، وكان يعلم بمآلات الأمور ، فاعتبار القصد هنا لازم . وإن كان الأصل أن الداعية إلى الله يجعل الكلام الذي لا يعطل مسيرته دبر أذنيه ، ولا يشغل نفسه بتتبع مقولة فلان وفلان . ومن ألطف ما قيل في ذلك قول الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي:

وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم ... ...

تحية ذي الحسى فقد يرقع النقل

فإن دحسوا بالشر فاعف تكرما ... ...

وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل

فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... ...

وإن الذي قالوا وراءك لم يقل**

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت