فهرس الكتاب

الصفحة 5604 من 27345

5-مما يجب الانتباه إليه الشهوة الخفية لدى الداعي بإظهار علمه وتنقص غيره بالجهل ، وهذا مسلك دقيق يجب التحرز منه وتعهد النفس دائما حتى تجتنبه . وقد نبه الغزالي - رحمه الله - إلى ذلك حيث قال:

"إن العالم -عند الدعوة - قد يرى عز نفسه بالعلم وذل غيره بالجهل، فربما يقصد الإدلال وإظهار التميز بشرف العلم وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل" (الإحياء ج2ص358) ثم قال"هذه مذلة عظيمة وغائلة هائلة وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان إلا من عرفه الله عيوب نفسه وفتح بصيرته بنور هدايته ، فإن للاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة" (الإحياء ج2ص358) ثم بين الغزالي - رحمة الله المعيار الذي يعرف به هذا الأمر فقال"وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن المحتسب به نفسه ، وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه ، فإن كانت الحسبة شاقة عليه ثقيلة على نفسه ، وهو يود أن يكفى بغيره فليحتسب ، فإن باعثه هو الدين" (الإحياء ج2ص358)

وهو على خير ، وإن كان لا يحب ذلك لغيره من أهل العلم والدعوة فما هو إلا متبع هوى نفسه ، متوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة دعوته، فليتق الله تعالى فيه ، وليدع نفسه أولا (أنظر: إحياء علوم الدين ج2ص358)

وقد عقب الشيخ صالح بن حميد على قول صاحب الإحياء"أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه"فقال"هذا عندي محل نظر ، وبخاصة مع قوله صلى الله عليه وسلم:"فوا الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" (متفق عليه من حديث سهل بن سعد ) فالتنافس في هذا تنافس في الخير ، ومع قوله تعالى:"ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ) (سورة فصلت ، الآية 33) ويتلمس الإخلاص وصلاح النية في غير المنافسة الشرعية" (معالم في منهج الدعوة ص 28، 29) "

6-عقد الإمام النووي -رحمه الله -في كتابه (الأذكار) بابا بعنوان"الغيبة بالقلب"وفيه قال"اعلم أن سوء الظن حرام مثل القول فكما يحرم أن تحدّث غيرك بمساوئ إنسان ، يحرم أن تحدّث نفسك بذلك وتسيء الظن به" (الأذكار، ص464) (2) وقد ذكر الإمام الغزالى في إحيائه كلاما قريبا من هذا (3) وإذا وقع في قلبك ظن السوء فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك ، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق ، وقد قال تعالى ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ( الحجرات ، آية 7) فلا يجوز تصديق إبليس ، فإن كان هناك قرينة تدل على فساد واحتمال خلافه ، فتنفر منه ، وتستثقله وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيئته فإن الشيطان قد يقرب إلى القلب بأدنى خيال مساوئ الناس ، ويلقي إليه أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبهك ، وإن المؤمن ينظر بنور الله ، وإنما هو على التحقيق ناطق بغرور الشيطان وظلمته .... ومهما خطر لك سوء في مسلم فزد في مراعاته وإكرامه ؛ فإن ذلك يغيض الشيطان ويدفعه عنك فلا يلقي إليك مثله خيفة اشتغالك بالدعاء له (4) .

وهذا معنى لطيف أتمنى أن يفطن إليه الدعاة والمربون ، وأن يغرسوه في نفوسهم ، وفي نفوس أبنائهم ، بدلا من طغيان نفسية الكراهية التي تجتاح بعض النفوس وتشعل حرائق البغضاء في أرجائها

7-النصيحة إحسان متمحض للمنصوح يصدر عن شفقة ورحمة ، ويجب أن يكون مراد الناصح بها وجه الله عز وجل ، ولا يكاد يفرق بين النصيحة والتعيير إلا النية والباعث والحرص على الستر ، وشتان بين من قصده النصيحة ومن قصده الفضيحة ، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى (انظر: معالم في منهج الدعوة ص44، 45)

القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك

وهذه قاعدة مهمة تدخل في جميع أبواب الفقه والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه أو تزيد (5) ومن أدلة هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم"إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (6) .

قال الإمام النووي رحمه الله"وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه ، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك ، ولا يضر الشك الطارئ عليها" (7) .

ومن التطبيقات الدعوية لهذه القاعدة:

1.وجوب إشاعة منهجية التثبت عند الحكم على الأشخاص أو الهيئات أو المؤسسات عموما، ومما يؤسف له أن هذه المنهجية تتوارى عند التطبيق لدى بعض فئات الدعاة خاصة عندما تكثر الإشاعات ، ويعز المصدر الموثوق به ، لكن المسلم له منهجية تميزه عن غيره ، فهو لايتمضمض بأعراض البرءاء ، ولا ينقل من الأخبار إلا ما تيقن منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت