عبدالحكيم بن علي السويد
دار الوطن
الحمد لله القائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:10-11] ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد القائل: { جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم } [رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم] . أما بعد:
فإن من الخصائص العظيمة التي امتن بها الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة وميزها عن بقية الأمم أن شرع لها الجهاد وجعل ما يحصل بسببه من الأجر والمثوبة الشيء العظيم، تلك هي الفريضة التي جعلت للمسلمين الأوائل العزة والتمكين في الأرض، ومن ثم السيادة على باقي الأمم، وقد علم أولئك فضل الجهاد فعملوا به على الوجه المطلوب الذي أراده الله ورسمه رسوله ، ولهذا لم يكن جهادهم وكفاحهم لتحقيق أهداف شخصية، أو أطماع دنيوية زائلة، أو حبًا للتملك والرياسة، وإنما كان الغرض من هذا كله إعلاء الحق وجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ومن إعلاء كلمة الله تطبيق شرعه الذي أمر به، وتعبيد الناس لله، وإعمار الأرض بما يرضيه سبحانه، وإرهاب أعداء الله، وزرع المهابة في قلوبهم كما قال تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60] .
(ولما كان الجهاد ذروة الإسلام، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا، كان رسول الله في الذروة العليا منه، فاستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان، والسيف والسنان، فكانت ساعاته موقوفة على الجهاد، ولهذا كان أعظم العالمين عند الله قدرًا) [مختصر زاد المعاد] .
وكذلك كان جيل الصحابة رضوان الله عليهم أفضل الأجيال، وقد قال أبو بكر الصديق في أول خطبة له بعد توليه الخلافة: (لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل) [البداية والنهابة (415/9) ] . ومن ثم جيل التابعين؛ لأنهم باعوا أنفسهم في سوق الجنة لخالقها، وحملوها على راحاتهم وسيوفهم بأيمانهم.
قال الشاعر:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا *** جمعتنا يا جرير المجامع
فضل المرابطة في سبيل الله
قال شيخ اللإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (ج28) : والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس، حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه: لأن أرابط في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود، وقال رسول الله: { رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل } [رواه أهل السنن وصححوه] ، وفي صحيح مسلم عن سلمان، أن النبي قال: { رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطًا أجري عليه عمله، وأجري عليه رزقه في الجنة، وأمن الفتان } يعني منكرًا ونكيرًا. فهذا في الرباط فكيف في الجهاد؟ وقال رسول الله: { لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبدًا أبدًا } وقال: { من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمها الله على النار } فهذا في الغبار الذي يصيب الوجه والرجل. فكيف بما هو أشق من: كالثلج، والبرد، والوحل.
فضل الجهاد في سبيل الله
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (ج28) : اعلموا أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى في كتابه: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة:52] يعني: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة، فمن عاش من المجاهدين كان كريمًا له ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة. ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة. قال: { يعطى الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويكسى حلة من الإيمان، ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين، ويوقى فتنة القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر } [رواه أهل السنن] ، وقال: { إن في الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة ما بين السماء والأرض، أعدها الله سبحانه وتعالى للمجاهدين في سبيله } ، فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد. وقال: { مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت، الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام } ، وقال رجل: { أخبرني بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال:"لا تستطيعه". قال: أخبرني؟ قال:"هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر وتقوم ولا تفتر؟". قال: لا. قال:"فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله"} . وهذه الأحاديث في الصحيحين وغيرهما.
وكذلك اتفق العلماء - فيما أعلم - على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد. فهو أفضل من الحج، وأفضل من صوم التطوع، وأفضل من صلاة التطوع. انتهى.
أنوع الجهاد