فهرس الكتاب

الصفحة 3209 من 27345

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد: فمعنا اليوم حديث جليل يربي المسلم منذ صغره على الإيمان بالله تعالى والاعتماد عليه, وهو ما أخرجه أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: ياغلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك , احفظ الله تجده تجاهك , إذا سألت فاسأل الله , وإذا استعنت فاستعن بالله , واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك , ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك , رُفعت الأقلام وجفت الصحف .

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح ( [1] ) .

وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل وزاد فيه"تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة"وزاد أيضا"واعلم أن في الصبر على ماتكره خيرا كثيرا , وأن النصر مع الصبر , وأن الفرج مع الكرب, وأن مع العسر يسرا" ( [2] ) .

وقوله"احفظ الله يحفظك"أي احفظ الله تعالى في دينه يحفظك في دنياك وأخراك, وحفظ الدين يكون بفهمه كما جاء من عند الله تعالى وتطبيقه على النفس تطبيقا كاملا .

ومما جاء في حفظ الله تعالى عباده المؤمنين ما أخرجه الحافظ الطبراني من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقول الله عز وجل إن من عبادي من لايُصلِح إيمانه إلا الفقر ولو بسطْتُ عليه أفسده ذلك , وإن من عبادي من لا يُصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك , وإن من عبادي من لايُصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك , وإن من عبادي من لايُصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك , وإن من عبادي من يطلب بابا من العبادة فأكفه عنه لكيلا يدخله العُجْب , إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم, إني عليم خبير"ذكره الحافظ ابن رجب ( [3] ) .

وفي هذا المعنى يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"إن العبد ليهمُّ بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له , فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه فإنه إن يسرته له أدخلته النار فيصرفه الله عنه , فيظل يتطير بقوله سبني فلان وأهانني فلان , وماهو إلا فضل الله عز وجل"ذكره الحافظ ابن رجب ( [4] ) .

قال ابن رجب: وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) [الآية:الكهف:82] أنهما حُفظا بصلاح أبيهما , قال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك , ثم تلا هذه الآية , وقال ابن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله , فما يزالون في حفظ من الله وستر .

قال: ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى, كما جرى لسفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر خبره مختصرا ( [5] ) .

وقد ذكر خبره الحافظ الطبراني من خبر محمد بن المنكدر أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها فركبت لوحا من ألواحها فطرحني اللوح في أجَمة فيها الأسد فأقبل إليَّ يريدني فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطأطأ رأسه وأقبل إليَّ فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة ووضعني على الطريق, وهَمْهم, فظننت أنه يودعني فكان ذلك آخر عهدي به .

وأخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي ( [6] ) .

وهذا يدل على قوة توحيد أبي عبد الرحمن سفينة رضي الله عنه حيث شعر حال رؤيته الأسد بأنه هو وأياه في قبضة الله تعالى , وأنه جل وعلا الذي أودع في الأسد القوة والشراسة باستطاعته أن يحوِّله حَمَلًا وديعا يتذلل لذلك الرجل الصالح , بل أبلغ من ذلك أن الأسد قام بما يقوم به الإنسان العاقل من دلالة سفينة على الطريق الموصل إلى الأمان .

ولقد كان أول ماتبادر إلى ذهن سفينة رضي الله عنه قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قام به من خدمته فتوسل إلى الله تعالى بهذا العمل الصالح .

وسفينة قد اختلف في اسمه اختلافا كثيرا , وذلك لأنه ألغى اسمه القديم واكتفى بالاسم الذي سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلم , كما ذكر ابن الأثير أنه كان إذا قيل له ما اسمك؟ يقول: ما أنا بمخبرك سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة فلا أريد غيره , وذكر أن أصل تسميته بذلك أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر , فكلما أعيا بعض القوم ألقى عليه سيفه وترسه ورمحه حتى حمل من ذلك شيئا كثيرا , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت سفينة ( [7] ) .

وقوله"احفظ الله تجده تجاهك"أي احفظ الله تعالى في دينه تجده أمامك في كل أمر تُقْدم عليه في حياتك, والمقصود بذلك أن الله سبحانه يكون مع أوليائه المؤمنين بحفظه ونصره وتأييده .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت