تفسير سورة القمر
الجمعة 2 ذي القعدة 1397 / 14 تشرين الأول 1977
( 2 من 4 )
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
فهذه هي الوقفة الثانية مع سورة جليلة هي سورة القمر ، ولولا بعض التعقيبات التي أراها ضرورية لتصحيح بعض المفاهيم ولتحديد معالم الحركة لكان لازمًا أن أمضي في تنفيذ الوعد الذي قطعته لكم منذ جمعتين أن لا أطيل الوقوف مع القضايا الثانوية ، وأن أعمل على إبراز القضايا الرئيسية التي تتصل بالمحور الذي نهتم له ، طبعًا دون عدوان على المنهج ولا تحيّف من هذه القضايا الأساسية .
وفي الجمعة الماضية أتيت على تلخيص أتصور أنه طيب للسورة الكريمة ولعله أن يكون مغنيًا إن شاء الله تعالى . لكني وعدت أن أعود إلى بعض النقاط بسبب ما ضاق علينا من الوقت ، فنقول مستعينين بالله تعالى ، أول هذه النقاط التي نريد أن نقف عندها قليلًا ولا نزعم أننا نمنحها حقها من التمحيص والدرس ، هي ما تعرضت له فاتحة السورة وما كان السبب في منحها الاسم الذي سميت به وهو حادث انشقاق القمر .
ولقد كان يغني ما قلناه في الجمعة الماضية لولا أننا نعيش عصرًا غريب التلاوين شديد الوطء على أهله ، لا تكاد تعثر بين عشرات الألوف من أبنائه على واحد فقط يستطيع أن يملك لعقله حرية الحركة . إن حادث انشقاق القمر جاء ذكره في السورة الكريمة كما يلي ( بسم الله الرحمن الرحيم ، اقتربت الساعة وانشق القمر ، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ) وأوردت لكم في الجمعة الماضية بعضًا من نصوص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبنت لكم وأظنني ذكرت لكم بعض الأسانيد أن الحادثة نُقلت في صحاح الحديث بأسانيد كالشمس وضوحًا ، والرواة الذين نقلوا إلينا هذه الحادثة هم ذاتهم الذين نقلوا إلينا شرائع الله في الحلال وفي الحرام ، أي هم الذين حملوا إلينا علم القرآن وسنن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن هذا الباب فإن الطعن في هؤلاء الرواة الكبار شيء لا يدعو إلى الارتياح .
إن كل المفسرين القدامى يقفون عند حدود الروايات ويثبتون ما جاء بها ، ويتفقون على أن حادث انشقاق القمر حادث وقع قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وبعضهم يذهب إلى تحديد الزمن الذي وقع الحادث فيه بنحو من خمس سنين من قبل الهجرة أي في حدود السنة الثامنة أو أواخر السنة السابعة من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، ولن يأتينا بطائل تحديد الزمن ، لكن الشيء الخطير حقًا هو البحث في ثبوت الواقعة أو عدم ثبوتها . وبطبيعة الحال فنحن من حيث المبدأ والأساس مع كل القائلين بأن رسولنا عليه الصلاة والسلام في غنى عن الخوارق والمعجزات الحسية والكونية ، ونحن أيضًا مع جميع القائلين بأن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى لرسولنا عليه الصلاة والسلام ، ولكنا لسنا معهم في حال من الأحوال حينما يكون هذا القول من باب دغدغة العواطف وتملق الحس الديني لدى المسلمين لكي يكون هذا القول من بعد ذريعة إلى نسخ ما جاءنا بالطريق الثابت الصحيح من خوارق حصلت لنبينا عليه الصلاة والسلام .
القدامى من المفسرين ولست أزعم لنفسي أنني شديد الولوع بما قال الأقدمون فأنا قانع بأن الحياة حركة وتجدد وأن الإنسان الذي يجمد على نحو واحد إنسان يفقد حقه بأهلية الحياة الكريمة ، وأن الأمة التي لا تعرف هذا الطريق الصاعد باستمرار نحو التقدم والنماء أمة مجردة من أية رسالة يمكن أن تتقدم بها إلى الناس وتسهم بسببها في خدمة البشرية . ولكني أميز بدقة وبوضوح كافٍ بين التجدد وعوامل الثبات في هذا الدين ، إنني أفهم أن تتطور الأمة دائمًا ، ولكني لا أفهم أن يأتي كلوف جاءوا بعد أن فسد اللسان وتلوثت السليقة وذهب حس اللغة وذوق اللغة ليستدركوا على أهل اللسان نبضات في هذه اللغة يزعمون أنها ذهبت عليهم . لا أستطيع أن أفهم هذا من أكبر المتعمقين في لغة العرب حينما يريد أن يستدرك على أعرابي جافٍ حافي القدمين شعث الشعر يعيش في أعمق أعماق البادية من أهل هذا اللسان .
وإنني أفهم التجدد ولكني لا أفهم الهزيمة العقلية ولا الهزيمة الشعورية أمام منجزات مادية يراد لها أن تكون هي البديل عن أنبل ما عرفته الإنسانية وهي معالم هذا الدين .
إن المفسرين القدامى أجمعوا على أن الحادثة وقعت ، وجاءت الرواية في ذلك بألفاظ ونصوص تتفاوت بعض الشيء ولكنها تجتمع لتزيد وقوع الحادثة ثباتًا ووثوقًا ، وفي بعض الروايات أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية ، وفي بعضها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق له القمر نصفين ، وفي بعضها انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم نصفين فقال لأهل مكة: اشهدوا . وفي بعضها أن الملأ من أشراف قريش طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم آية يعرفون منزلته عند الله وكرامته عليه فأراهم القمر منشقًا نصفين .