فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أما سلفنا العاقل المدرك صاحب اللسان والمالك لقدر هائل من التربية الإيمانية الوثيقة فقد وقف عند حدود النصوص التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأما الخلائق التي جاءت بعد فيؤسفني جدًا أن أقول إن معظم الذين قرأت لهم حتى الآن مصابون بهزيمة عقلية أمام الضغط الحضاري العنيف الذي يعيشه المسلمون وغير المسلمين ، إنهم يقولون إنه لا توجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة إلا القرآن وما كان من شيء خلا ذلك فهو وهم واختلاق . وهذه القضية لا تتصل فقط برد رواية ، ولا أدري كيف تأتيك رواية ما من طريق فلان عن فلان عن فلان يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم وتكون في الحلال والحرام وتكون في شرائع الدين وأصول الاعتقاد فتقول: هذه رواية صحيحة والحكم الذي تضمنته لازم ، ثم تأتيك رواية أخرى من نفس الطريق بالذات بنقل الرجال بأعيانهم فتقول: إنني أرفض هذه الرواية وأشك في صحتها . ماذا نسمي هذا إن لم يكن تحكيمًا للهوى في نصوص هذه الشريعة ؟ أحب قبلًا أن أقول إن الإسناد وهو نقل الوقائع والأحكام عن طريق الرواة الذين ينقلونها واحدًا عن واحد أو قومًا عن قوم أو جيلًا عن جيل خصيصة هذه الأمة التي لا يشاركها فيها أحد .
ولعل الذين لهم اطلاع على مبادئ علوم التاريخ يعرفون أن التاريخ كله إنما يعتمد هذه الطريقة ، ولكن ليس بدرجة من التوثق تبلغ الدرجة التي بلغها المسلمون ولا عشر معشارها أيضًا ، فالمسلمون عُنوا أبلغ العناية بالتوثق لما ينقلونه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ، ولأنهم يعلمون أن هذا الذي ينقلونه دين ، وهو دين لازم للأمة إلى أن تقوم القيامة ، وذلك يعني أن الاحتياط واجب وضروري ، وأن التهاون والتساهل في قبول الروايات تحميل للأمة ثقلًا وأغلالًا لم يأذن بها الله تعالى ولم ينزل بها سلطان .
جماهير المفسرين المحدثين يقولون إن حادث انشقاق القمر لم يقع ، وما جاء في نظم الآية من قوله تعالى ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) فإنما ذلك يكون قرب يوم القيامة حين يأذن الله تعالى بخراب الدنيا ، ويعتمدون في ذلك رواية مكذوبة تنسب إلى الحسن البصري وهو من كبار التابعين رضي الله عنهم أجمعين من أن هذا يكون يوم القيامة . والتعبير بقوله تعالى ( وانشق القمر ) بصيغة الماضي هو تعبير يراد منه تأكيد الحدوث ولا يراد منه تحديد الزمن وهو أسلوب معروف في أساليب البيان العربي . ونحن لا نحتاج إن شاء الله تعالى إلى من يدلنا على خصائص البيان العربي وطرائق الأسلوب الذي يتخاطب به العرب والذي نزل به القرآن وتحدث به محمد صلى الله عليه وسلم .
ولكن المسألة ليست هنا ، المسألة فيما نرى ليست موضع اجتهاد ، فإن من علماء المسلمين من قرر أن حادث انشقاق القمر حادث نُقل بصورة تبلغ مبلغ التواتر ، وما نُقل إلينا متواترًا فلا سبيل إلى رده ، لأننا حينما نرد النقل المتواتر فنحن ضرورة نرد نقل القرآن ، لأن القرآن نُقل إلينا بطريق الكافة عن الكافة جيلًا من بعد جيل ، وهذا هو طريق التواتر , ومهما يكن من شيء فلكي تحدد المشكلة ويستبين الخطر فإن علماء الإسلام حددوا مبحثًا خاصًا يتعلق بمنكر انشقاق القمر ، وبحثوا هل يكفر من ينكر وقوع الحادثة أم لا ؟ والجمهور على أنه لا يكفر ، ذلك لأن التواتر لا يثبت ، صحيح أنه جاءنا عن خمسة أو ستة من الصحابة رضي الله عنهم بالطريق الصحيح المثبوت بصحته ، وصحيح أن الواقعة رويت في جميع كتب الصحاح والسنن والجوامع والمسانيد بأسانيد لا سبيل للشك فيها ولا تعلق بها شبهة ، ولكن الصحيح أن منكر هذه القضية لا يكفر وإنما أذكر هذا لبيان خطورة المسألة فقط .
إن المسألة لا تتصل بإنكار حادث فردي ، فنبينا عليه الصلاة والسلام أجل وأعظم وأكرم على الله من أن يكون محتاجًا لأي شيء ، ولكن هذه قضية ، وإكرام الله تعالى لمن يشاء من عباده بلون من الكرامة قضية أخرى ، وما جاء في السورة وما جاء في الأحاديث يؤكد الواقعة ، والشك الذي حصل لدى جمهور المفسرين المحدثين والمعاصرين جاء من طريق الهجمة العنيفة الشرسة على الإسلام وعلى نبي الإسلام وعلوم الإسلام .. سأنشّط ذاكرة الذين يذكرون ، حينما كنا واقعين تحت الاستعمار الفرنسي في هذا البلد كان الذين يلبسون مسوح الإنسانية ويشتغلون في مهنة الطبابة والتمريض يدورون في القرى والمدن بحجة مكافحة الأمراض ومدواة المرضى وفي يدهم زجاجة الدواء وفي اليد الأخرى الإنجيل ، وفي رؤوسهم شيء واحد هو الحقد الدفين المر على الإسلام ونبي الإسلام وكتاب الإسلام وتاريخ الإسلام ، وفي قلبهم نبض واحد هو التحسب والخوف من أن تستيقظ هذه اليد التي دقت أبواب أوروبا وهددت عواصمها في الماضي لتعطل عليهم مسيرتهم في امتصاص الدماء ونهب الثروات وإذلال عباد الله .