فهرس الكتاب

الصفحة 13417 من 27345

كانوا يسيرون في القرى وفي المدن ليقولوا للناس إن نبيكم ليس له معجزات ولكن عيسى أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص وكان يعلم الناس بما يدخرون في بيوتهم وكان وكان .. وموسى ألقى عصاه بشهادة قرآنكم أمام السحرة فإذا هي تلقف ما يأفكون ، و ضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، ومشى فيه موسى ومن معه من بني إسرائيل كما يمشون على اليابسة حتى إذا أنجاهم الله إلى البر انطبقت شعبتا الماء على فرعون ومن معه فأهلكتهم ، فماذا عند نبيكم من معجزات .

حيثما ذكرتَ لهم من معجزة يعمدون إلى إنكارها ويقولون هذه غير صحيحة ، وأمضى الأسلحة في أيديهم أن هذه المعجزات ينقلها أناس لا يُدرى حالهم من الضبط والإتقان والدراية والإدراك .. فهي إذًا موضع شك ، وما كان بهذه المثابة فهو خليق بأن يُرد .. هذه واحدة . الثانية: إن العلوم الكونية المستحدثة كشفت أشياء لا نقول إنها جديدة بمرة ، فالعلم وعلم الفلك والرياضيات بصورة خاصة توصلا منذ عصور ازدهار الإسلام إلى وضع مقاييس ثابتة لحركة الكواكب وقياس النسب والأبعاد ، ولم يكن علماؤنا الماضون الذين تطفّل العلماء المحدثون والمعاصرون على موائدهم يجهلون أن هذه الكواكب المزروعة في جو السماء لها كتلة ولها كثافة وهي فيما بينها ذات نسب ، لو اختلت هذه النسب لحدث تخرّب كوني هائل ، لم يكن علماؤنا يجهلون ذلك . ولكنهم ما كانوا بدرجة من الضلال كالتي عليها المهزومون من أبناء جلدتنا في هذه الأيام ومنذ مطالع هذا القرن .

يقولون لك إن القمر يمارس جذبه بالنسبة إلى الأرض وبالنسبة لما حوله ككل كوكب آخر ، فلو أن القمر انشق فعلًا لحصل خلل في قانون الجاذبية يؤدي إلى عدمٍ في التوزع النسبي الموجود في الكون ، وهذا هو ما يؤذن بتحطم الكون وانحلاله وخرابه . العلماء المحدثون يقولون هذا ولكنهم يُغفلون حقيقة بحثها العلماء المسلمون من قديم وهي أيضًا مبحوثة في الفلسفة القديمة ، لو أن هؤلاء المحدثين ممن يتقحّمون القول على كتاب الله بغير روية وبلا تبسّط أحسنوا الانتفاع بما قال الأقدمون .

إن علماءنا بحثوا في العلاقة بين السبب والنتيجة ، بين السبب والمسبب ، قالوا: إن السيف بطبعه قاطع ، والمشهود من التجربة أنك إذا ضربتَ به الجسم مضى فيه ، والمعروف أن الماء قاطع للعطش ، والمعروف عادة وطبعًا أن العطشان إذا شرب الماء انقطع عنه لغوب العطش ، والمعروف أن النار محرقة ، وأنك حين تلامسها تحترق يدك . كل ذلك معروف طبعًا وعادة ، ولكن السؤال ليس هنا ، السؤال في الآتي: هل العلاقة بين السبب والنتيجة علاقة ضرورية لا تنفك ولا تنفصل أم أنها علاقة معية ومصاحبة ؟ ذهب معظم فلاسفتنا ممن لم يتأثروا بنخالة الفكر اليوناني ولا بزبالة الفكر الروماني والمسيحي إلى أن السبب والنتيجة يتعايشان والعلاقة بينهما علاقة مصاحبة ومعية . بمعنى أن الإنسان يحصل له الرواء حينما يشرب الماء ، ولو شاء الله جل وعلا لجعل الماء غير قاطع للعطش ، وأن المحترق يحترق لا لأن الاحتراق لازم للنار ، ولكن الاحتراق يحصل مع وجود النار لا بسبب النار ، وإنما بين السبب والنتيجة ، من هنا فليس شيئًا يحيله العقل وليس شيئًا يرده المنطق أن تتعطل بعض النواميس وأن تبطل بعض الأسباب وأن تتخلف بعض النتائج عن أسبابها . هذا على مستوى النظري .

ولقد كان علماؤنا الماضون رضي الله عنهم إذا جاءهم الأمر من كلام الله أو من كلام رسوله عليه الصلاة والسلام لا يبحثون في تعليله وإنما يبحثون في مدى ثبوته ، فإذا ثبت بالدليل القطعي فعلى الرأس والعينين ، وإذا لم يثبت ردّوه غير آسفين . وحينما يثبت لا يقولون: لمَ ؟ ولا يقولون: كيف ؟ وإنما يفسرون ما يعرفون ويتركون علم ما يجهلون تفسيره إلى الله تعالى . ذات يوم حدّث أبو هريرة رضي الله عنه بحديث فقال له عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كيف ذلك ؟ قال له أبو هريرة: يا ابن أخي إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال . إياك ، المسألة ليست مسألة كلام يجوز لنا أن نأخذ منه أو أن نترك ، المسألة أنها كلام النبي المرسل الذي لا ينطق عن الهوى ، فما عرفتَ فاعمل وافهم وفسّر ، وما لم تعرف فكِل العلم إلى العالم ، إن من وراء هذا علم الله تعالى الذي أحاط بكل شيء علمًا . ودعك من هذا ، إن من وراء ذلك مسيرة علمية بشرية كونية ماضية في طريقها ، ما جهلته اليوم من جوانب العلم فستعرفه غدًا أو بعد غد أو بعد عشرات أو مئات السنين .. فالتهجم على الإنكار لمجرد الإنكار فضيحة عقلية ، وأقول فضيحة عقلية لماذا ؟ لأن حادث انشقاق القمر الذي كبر على المعاندين والمهزومين أن يقروا به برغم وثاقة الطرق التي بلغنا بها حادث واقع وثابت بالخبر وبالأثر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت