جاء في سورة الإسراء: ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلًا ) وجاء في سورة المؤمنون: ( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم) وجاء في سورة يونس: ( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم ) هذه الآيات وغيرها تكشف عن حقيقة الشعور الإنساني بسرعة انقضاء الحياة الدنيا، وسرعة مضي عالم البرزخ، فالذاكرة البشرية عندها مشغولة بما هو أهم وبما هو أخطر، ثم إن الدنيا وعالم البرزخ في قانون الآخرة لا تزيد عن وحدة صغيرة من الزمن. كيف لا والنهائي لا يذكر في جانب اللانهائي !!
ثلاث آيات من سورة طه تطرح نسبية الزمن في الإدراك البشري، ليس في الدنيا، ولا في عالم البرزخ، بل في يوم الحشر، ولا ندري كم يستمر هذا اليوم، وإن كانت الأحاديث الشريفة لتنص على طول الموقف، ولكنه في النهاية ينقضي ليكون الخلود الذي لا يتناهى، وعلى وجه الخصوص في عالم السعادة.
يقول تعالى: ( يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا، يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا، نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقةً إن لبثتم إلا يوما) الآيات الكريمة تتحدث عن حشر المجرمين وما فيه من ضيق ومعاناة إلى درجة أن تزرق الجلود، وهذا في حدود علمنا ينتج عن نقص الأكسجين والذي يزيد في معاناة المحشورين، وهو أيضًا عند بعض أهل الاختصاص ينتج عن الخوف الشديد الذي لا أمل عنده في النجاة، مما يجعل الدم يندفع باتجاه الجهاز الهضمي بدل أن يندفع إلى الجلد والعضلات . وهذا الواقع المضني يجعل الإنسان حساسًا تجاه الأصوات والكلام ومن هنا: ( يتخافتون بينهم ) فكل واحد منهم يطلب من الآخر أن يغض من صوته، وعلى الرغم من ذلك فإن هناك قضية في غاية الأهمية تجعلهم يتساءلون بينهم بأصوات خافتة، فطول الموقف ورهبته وشدّته تجعلهم يتساءلون عن طول موقفهم، وكم مضى من الوقت، وهنا يتضح أن أقوالهم تتضارب وتتفاوت تفاوتًا كبيرًا، وهنا يتدخل البعض ليحد من المبالغات فيقولون: ( إن لبثتم إلا عشرًا ) نعم لم تزد عن هذا الحد.
إنّ الله تعالى أعلم بأقوالهم هذه ومدى مطابقتها للواقع: ( نحن أعلم بما يقولون) فهذه الأقوال كلها مجافية للواقع، ولكن أقلهم إجرامًا وبالتالي أمثلهم طريقةً وسلوكًا في عالم الحياة الدنيا يذهب إلى أنّ لبثهم لم يتجاوز اليوم: ( إن لبثتم إلا يومًا ) وهنا ينكشف سر اختلافهم الاختلاف الكبير، فقد ظهر أن إحساس النّاس بالوقت يتفاوت يوم الحشر بتفاوت أعمالهم، ومدى صلاحهم أو فسادهم، وهذا يعني أنّ هول الموقف يتعلق بمدى الصلاح، أي أنّ هناك تناسبًا عكسيًا بين الصلاح والشعور بهول الموقف ومداه، وعلى ضوء هذا يمكن فهم الأحاديث الشريفة التي تحدثت عن أهوال الموقف يوم القيامة .