الوسطية
في ضوء القرآن الكريم
الشيخ ناصر بن سليمان العمر
المقدمة
إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:102) .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء:1) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب:70، 71) .
أما بعد:
فإنّ المتأمل في الواقع الذي تعيشه الأمّة اليوم يرى بَوْنًا شاسعًا في مشاربها وأهدافها، واختلافًا في منطلقاتها وغاياتها.
يرى الإفراط والتفريط، والغلوّ والجفاء، والإسراف والتقتير: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) (الحج: من الآية45) .
هذا على مستوى الأمّة عمومًا، فإذا انتقلنا إلى حال الدّعاة والمصلحين الذي أقضَّ مضاجعهم هذا الواقع المؤلم لأمّتهم، فطفقوا يبحثون عن سبل العلاج وطوق النَّجاة، لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور، ومن الضّلالة إلى الهدى، نجد انعكاس واقع الأمة على حالهم، فمنهم المشَرِّق، ومنهم المغرِّب، ترى المفرِط والمفرِّط، نرى بين هؤلاء الدّعاة والمصلحين من غلا وأفرط في الغلوّ، فنشأت جماعات تكفير وهجرة، وعادت سوق الخوارج رائجة، وهناك من فرَّط وجفا، وأضاع معالم الدّين وأصول العقيدة، حرصًا على جمع النَّاس دون تربيتهم، ففشا الإرجاء، وانطمست معالم التَّوحيد، وحقيقة العبادة.
وبين هؤلاء وأولئك وقفت فئة تقتفي الأثر، وتصحِّح الطّريق، وتدلُّ الناس إلى الصِّراط المستقيم، على منهج أهل السنة والجماعة، وسلف الأمّة؛ ينفون عن هذا الدّين غلوّ الغالين، وانتحال المبطلين، وتفريط الكسالى والمرجئين، ودعاوى المنافقين والمرجفين. ووسط هذا الواقع المؤلم، والاضطراب المهلك، تشتدّ الحاجة إلى دلالة الأمّة إلى الصّراط المستقيم، والمنهج العدل المبين، لإنقاذها من كبوتها، وإيقاظها من رقدتها، وتبصير الدّعاة والمصلحين بالمنهج الحقّ، والطّريق البيِّن الواضح: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (الأنعام: من الآية153) .
لقد وقفت طويلا عند مسألة الغلوّ والجفاء، والإفراط والتَّفريط، وأدركت أن الأمّة بأمسِّ الحاجة إلى منهج الوسطيَّة منقذًا لها من هذا الانحراف، الذي جرَّ عليها المصائب والمشكلات.
ووجدت أنّ القرآن الكريم، قد رسم لنا هذا المنهج في شتَّى جوانبه، أصولا وفروعًا، عقيدةً وعبادةً، خُلقًا وسلوكًا، تصوُّرًا وعملا.
ولقد جاء منهج الوسطيَّة من خلال القرآن الكريم في أساليب عدَّة، تصريحًا وإيماءً، مفصَّلا ومجملا، خبرًا وإنشاءً، أمرًا ونهيًا.
واقتناعًا منِّي بأهميَّة هذا الموضوع، ومسيس الحاجة إليه، فقد عزمت على الكتابة فيه، وهذا يقتضي أن أعيش مع كتاب الله متأمِّلا لآياته، متفكِّرًا في دلالاته، مستوعبًا لما كتبه المفسِّرون حول تقرير القرآن لمنهج الوسطيَّة.
القضية التي يعالجها البحث
مفهوم الوسطيَّة وحقيقتها ضلَّ فيها كثيرون، وبيان ذلك كما يلي:
1-هناك من فهم أن الوسطيَّة تعني التَّنازل والتَّساهل، فإذا رأوا مسلمًا قد التزم الصّراط المستقيم، وسار على هدي النبوَّة، قالوا له: لماذا تُشدِّد على نفسك وعلى الآخرين ودين الله وسط؟ ولذلك نجد في واقعنا المعاصر أن أكثر الذين يُرمَون بالتَّطرف والغلوّ وأخيرًا بالأصوليَّة (1) هم من الذين التزموا بالمنهج على وجهه الصَّحيح.
ومن أسباب ذلك الجهل بحقيقة الوسطيَّة.
2-وفي المقابل نجد فئة من المتحمِّسين المندفعين، يصفون أصحاب المنهج الحقّ، الذين لم يوافقوا هؤلاء على أفكارهم، ولم يسايروهم في حماسهم واندفاعهم يصفونهم بالتَّساهل والتَّهاون، وعدم الغيرة، بل وأحيانًا بالتَّنازل والممالأة.
ومنشأ ذلك - أيضًا - جهلهم بحقيقة الوسطيَّة، مع أنهم يدَّعونها، لكنهم لا يفهمونها على الوجه الصحيح.
(1) - بعض من يطلق هذه الصفات، يطلقها لأغراض لا تخفى، والمشكلة أن هناك من يصدّق ما يقولون جهلا أو سذاجة، أما الذين يتجاهلون فلا يعنيهم هذا البحث.