فهرس الكتاب

الصفحة 10228 من 27345

بقلم: د / مسرت جمال

الأستاذة المساعدة بقسم اللغة العربية

جامعة بشاور، باكستان

أنه عند علماء البلاغة الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه الضرب من التأويل إفادة للخلاف لا بوساطة وضع كقولك أنبت الربيع البقل ، وهزم الأمير الجند ، فالحكم في أنبت الربيع البقل بكون الإنبات فعلًا للربيع مكانه الأصلي عند العقل كونه فعلًا لله عز وجل، وفي هزم الأمير الجند بكون هزم الجند فعلًا للأمير، مكانه الأصلي عند العقلاء كونه فعلًا لعسكر الأمير، ويسمى عقليًا لعدم رجوعه إلى الوضع ، ولاعتداء حكمه عن مكانه الأصلي. (1)

فالمجاز العقلي هو ما أُسنِدَ فيه الفعل أو شبهه إلى غير صاحبه ، الذي هو ملابس له، وله ملابسات كثيرة وهي:

(1) الزمانية: هي أن يُسنَد إلى الزمان ماحقه أن يُسَنَد إلى ما يقع فيه، نحو: ليلة مقمرة: فالليلة لاتقمر، وإنما هو زمان إقمار القمر .

(2) المكانية: هي أن يُسنَدَ إلى المكان ما حقه أن يُسْنَد إلى ما يقع فيه ، نحو: فاض النهر ، أي ماءه - فالنهر لايفيض ، وإنما هو مكان الماء الذي يفيض.

(3) الفاعلية: هي أن يُسنَد الفعل المبنى للمفعول إلى الفاعل، نحو:"حجابًا مستورًا"اى ساترًا . فالحجاب فاعل الستر، ولايوصف المستور وإنما يوصف بالساتر.

(4) المفعولية: هي أن يُسنَد الفعل المبني للفاعل إلى المفعول، نحو:"خُلق من ماء دافق". فالماء مفعول في المعنى، ولا يوصف بالدافق، إنما يوصف بالمدفوق.

(5) السبية: هي أن يضاف الفعل إلى سببه لا إلى فاعله، نحو: بنى سليمان الهيكل . فسليمان لم يبن الهيكل بيديه ، إنما كان سببًا لبناءه .

(6) المصدرية: هي أن يضاف الفعل إلى المصدر ما حقه أن يُسنَد إلى فاعله، نحو: جدّ جدّك. فالجد لم يجد بنفسه، وإنما مصدر لصاحبه. (4)

ألوان جمال المجاز العقلي

المجاز العقلي كسائر الأساليب القرآنية لايخلو من الجمال والروعة ، وهذا الجمال يرجع إلى اللفظ والمعنى. فأما ما يرجع إلى اللفظ فهو الإيجاز الأنيق، وخفة لفظه على اللسان واستقامة الوزن، القافية والسجع .

وأما مايرجع إلى المعنى فهو المبالغة البديعة، والدقة الرائعة . فلو نقول أن جمال المجاز العقلي من أربعة وجوه (5) فلا نكون مخطئين:

(1) المبالغة البديعة والدقة الرائعة: كما نراها في قول الشاعر (6) :

مَلَكْنَا فكانَ العفوُ منا سَجِيّةً

فلمَّا مَلَكْتُم سَالَ بالدم أبطح

الشاعر يفتخر بأن قومه قدروا ولكنهم عفوا وصفحوا، بينما المخاطبون حينما قدروا أسرفوا في سفك الدماء حتى سال الدم بالأبطح (7) ، لكن المجاز صور كثرة الدم حتى غمر المكان وطفح من كل جوانبه، وكأن المكان نفسه وبما فيه يسيل، مبالغة في كثرة الدم وغمر المكان به .

(2) الإيجاز الأنيق: وذلك أن المجاز العقلي يعرض المعنى في أقل ما يمكن من اللفظ ، فمثلًا إذا قلنا:

"فتح عمروبن العاص مصر"

لاشك إننا نجد فارقا في قوة العبارة وإيجازها عن قولنا:

"فتح جشُ المسلمين مصر بقيادة عمروبن العاص"

(3) الخفة السهولة: وذلك أن اللفظ الدال على سبيل المجاز قد يكون أخف على اللسان من الحقيقة، أما لخفة مفرداته، أو لحسن تركيبه فيعدل إلى المجاز، مثل قول الشاعر (8) :

دَعِ المكارِمَ ، لاتَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا

واقْعُد فَإنَّكَ أنتَ الطاعِمُ الكاسي

فهناك نسبة الطاعم إلى"أنت"نسبة مجازية، وكذلك نسبة الكاسي إليه، حيث أن مراد الشاعر هو أنه المطعوم والمكسي لكن عدل عنه إلى الطاعم والكاسي، إلى جانب لطائف اُخرى فيها: لخفة كلمة الطاعم والكاسي في مقابلة كلمة المطعوم والمكسي، وذلك لأن كلمة"طاعم"و"كاسي"ذات أربعة أحرف حينما كلمة"مطعوم"و"مكسي"ذات خمسة حروف، ومن المعلوم أن الكلمة الخماسية بالنسبة إلى الرباعية ثقيلة على اللسان كما أن الرباعية ثقيلة بالنسبة إلى الثلاثية، وهذا هو الوجه بأن الأبنية الخماسية (9) والرباعية قليلة في اللغة العربية .

(4) القافية أو السجعة: وربما تطلبت القافية أو السجعة المجاز، فيلجأ إليه لاحكام صنعته ؛ فإن للمجاز العقلي أثرًا كبيرًا في توسعة اللغة، وتغيير صورة العبارة بحيث تعين الاديب على آداء معانيه بصورة مختلفة حسبما تقتضيه الجملة ويتطلبه الوزن والقافية في بعض الأحيان (10) . ومن ثم قال عبدالقاهر:

"هو كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق، والكاتب البليغ في الإبداع والاحسان والاتساع في طرق البيان... وإنه يدق ويلطف حتى يمتنع مثله إلاَّ الشاعر المفلق والكاتب البليغ (11) ."

وخير مثال لاستقامة وزن القافية بالمجاز العقلي هو ما قال العبدى (12) :

أشاب الصغير وأفنى الكبيرَ كرالغداة ومرالعشي

وملتنا أننا المسلمون على دين صديقنا والنبي

حيث أن بإبدال نسبة أشاب وأفنى إلى الفاعل الحقيقي، وهو خالق الزمان يتحقق الاضطراب والخلل في الوزن والقافية كليهما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت