فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن روعة المجاز العقلي، ورشاقته هي كونه في بعض الأحايين ذريعة التحايل على دفع التهمة، والتملص من الجريمة. فيُسنَد الفعل إلى سببه: كماقالوا:
"فلان قتله جهله"، وكأنما يريدون ان يبرئوا قاتله من جريمة قتله.
ولعل ذلك يذكرنا بقصة سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنه - يوم صفين . فلما قُتِل اضطرب أهل الشام لعلمهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم -"عمار تقتله الفئة الباغية"فقال لهم معاوية - رضي الله تعالى عنه- .
"إنما قتله من أخرجه". فقد وجه معاوية -رضي الله تعالى عنه - في المجاز دفعًا للتهمة عن جماعة (13) .
وإليك لمشاهدة هذه الروعة والجمال في المجاز العقلي في الأمثلة التالية من الآيات القرآنية:
(1) "وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُه زَادَتْهُمْ إِيْمَانًا" (14)
إن إسناد فعل"زادت"إلى"الآيات"، لايصح على سبيل الحقيقة؛ لأن الآيات ليست بنفسها مما تزيد إيمان المؤمن ، بل إن المؤمن بنفسه يزيد في إيمانه بسبب الآيات، فكأنها ذريعة في ازدياد إيمان المؤمن. فعلاقة الآيات بالزيادة هي علاقة سبب .
وسر جمال هذه العلاقة هو المبالغة في مدخلية السبب في حصول الفعل حتى صار كأنه الفاعل الحقيقي، وهو سوّغ المجاز وحسّنه. ومع ذلك أن الموسيقى الذي يوجد في التعبير على سبيل المجاز العقلي في هذه الآية لايوجد في التعبير على سبيل الحقيقة في تلك الآية . أي
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُه زَادتْهُمْ إيمانًا""
لانه يفقد في صورة التعبير الحقيقي ذلك الانسجام الذي تملكه الآية. وهذه هو الوجه حيث وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تحت هذه العلاقة . مثلًا:
"إنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِيْ الأرْضِ، وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعًا، يَّسْضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْي نِسَآءَهُمْ" (15) .
في هذه الآية يخبرنا الله سبحانه عن فرعون وأنه كان يذبح أبناء بني اسرائيل، في قوله:"يذبح ابناءهم". ويستبقي نساءهم . فالفعل"يذبح"و"يستحي"أسنِدَ إلى غير فاعله الحقيقي، لان فرعون لم يكن يذبح بنفسه، ولا يستحي بنفسه، بل كان يأمر بذلك جنوده واتباعه، وبما انه كان سببًا في ذلك لكونه آمرًا به، فقد صح إسناد الفعل إليه على سبيل المجاز لما بين الفاعل - الحقيقي والمجازي - من علاقة وتشابه في تعلق الفعل بهما، فتعلقه بالفاعل الحقيقي من حيث صدوره منه، وبالفاعل المجازي من حيث أنه السبب فيه (16) .
ويا أيها القارئ والناظر هل تجد جمالًا في بيان:
"يذبح أتباع فرعون أبناء بني إسرائيل"؟ لا، وكلا! لان هذا حقيقة، والحقيقة أقل جمالًا من المجاز هنا. ومن هذا القبيل قوله تعالى:
"وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنُ لِيْ صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ" (17)
وقوله عزوجل:"فَأَوْقِدْ لِيْ يَا هَامَانُ عَلَى الطِّيْنِ، فَاجْعَلْ لِيْ صَرْحًا". (18)
ففي الآيتين أسنِدَ الامرُ في"أوقد"و"اجعل"و"ابن"إلى ضمير هامان مع أن هذه الأفعال من صنع العمال، وإنما أُسنِدت إلى هامان لأنه السبب، فالعلاقة في تلك الأساليب هي السببية.
ولوقيل: ياهامان مربالبناء لي، ومربان يوقد لي ياهامان على الطين، ومربان يبنى لي صرح، لاصبح نغم الآيتين مضطربًا، وتذهب تلك الموسيقية والمبالغة اللتان توجدانِ في الأسلوب المجازي القرآني.
(2) "لاَعَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِاللهِ إلاَّ مَنْ رَحِمَ" (19)
أسنِد"عاصم"وهو وصف مشبه بالفعل - اسم فاعل - إلى ضمير اسم المفعول لعلاقة المفعولية، بدليل قوله تعالى:"إلا من رحم"اي لا معصوم إلا من رحمه الله .
ومثله قوله تعالى:
"اِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ" (20) .
"وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا" (21)
"وَإذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ" (22)
و"خُلِقَ مِنْ مَّآءٍ دَافِقٍ" (23) وغيرها .
وفي كل واحدة من هذه الآيات أسنِد اسم فاعل"واقعة"،"آمنا"،"خاسرة"،"دافق"- إلى ضمير اسم المفعول لعلاقة المفعولية .
وسرالجمال في هذه العلاقة المفعولية هو المبالغة البديعية ونغماتها الرائعة بخلاف إتيان صيغ المفعول - موقوعة ، مأمونا ، مخسورة ، مدفوق - اذ لايوجد فيه جرس الموسيقي ولايوجد الأثر البديع، مع أن فيه يوجد ثقلًا وعِبأً في هذه المواضع. وللالفاظ دور كبير في تكوين الفني في الكلام ، حتى قال بعضهم (24) :
"ان اللفظ في ذاته كالموسيقي يخلب الأذن، ويلذ الشعور، وإن لم يترجم، أما المعنى فكالكهرباء إذا لم يكن لفظه جيد التوصيل انقطع تياره فلا يعرب ولا يطرب (25) ."
(3) "وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِيْنَ لاَيُؤْمِنُوْنَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مِّسْتُورًا" (26)
أسنِد"مستورًا"إلى ضمير"الحجاب"، والحجاب لايكون مستورًا. انما يكون ساترًا. فاستعمل اسم المفعول مكان اسم الفاعل، فقد أسنِد اسم المفعول إلى ضمير الحجاب إلى غير ما حقه أن يُسنَد إليه لعلاقة الفاعلية ومنه قوله تعالى: