المكان/ بيت المقدس ـ فلسطين.
الموضوع/ السلطان محمد الكامل الأيوبي يتنازل طواعية عن بيت المقدس للصليبيين.
الأحداث/
مقدمة:
مفكرة الإسلام: من يملك حق التكلم أو التفاوض عن مقدسات هذه الأمة؟ أو يتخذ قرارات بشأنها؟ من يستطيع أن يحدد مصير هذه المقدسات أو يتصرف في أمرها؟
إن من يملك هذه المقدسات هو وحده الذي يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة، والإجابة الوحيدة عن هذه الأسئلة أن الأمة الإسلامية بأسرها عرب وعجم قريب وبعيد هي صاحبة ومالكة كل القرارات الخاصة بهذه المقدسات، فلا يستطيع أحد مهما كان شأنه وعلو مكانه أن يتصرف وحده فيما يخص مقدسات الأمة الإسلامية، فهي ملكية عامة لكل مسلم فيها نصيب باستخلاف الله عز وجل لهذه الأمة على هذه المقدسات ، وهذا الحق العام والرأي الجماعي فيما يخص تلك المسألة هو الضمان الأمثل من الوقوع في أمثال تلك الخطايا الكبرى التي ارتكبت قديمًا وترتكب حديثًا والضحية في النهاية مقدسات الأمة وكرامتها.
البلاد بعد صلاح الدين:
أنقذ الله عز وجل أمة الإسلام بصلاح الدين الأيوبي في فترة حاسمة من حياة ومصير البلاد وتصدى صلاح الدين لنيل شرف مهمة استعادة بيت المقدس، وقاد حملة جهادية ضد الوجود الصليبي بالشام طيلة عشرين سنة استطاع خلالها أن يستعيد بيت المقدس سنة 583 هـ، ويتصدى لثلاثة حملات صليبية متتالية، ثم مات رحمه الله في 27 صفر سنة 589هـ. وبموته تفرقت البلاد بالشام ومصر بعدما كانت مجتمعة كلها تحت قيادته بين أبنائه وهذا التفرق دائمًا قرين الخذلان والفشل وأول مقدمات التسلط والاستعداء، وبالفعل دب الخلاف بين أبناء صلاح الدين خاصة؛ بين العزيز عثمان [صاحب مصر] ، والأفضل علي [صاحب دمشق] .
ـ تعدى هذا الخلاف إلى طور الحرب والقتال مما استدعى تدخل الملك محمد أبي بكر الأيوبي الملقب بالعادل، أخي صلاح الدين، ورفيقة على درب الجهاد المقدس من البداية، وكان من أكثر الناس حزمًا وسياسة وعدلًا استطاع أن يقضي على هذا الخلاف وأن يتخذ الخطوة الصحيحة في هذا الظرف الراهن، فأعاد توحيد الجبهة الشامية والمصرية تحت إمرته وعادت للبلاد وحدتها وقتها. [[وفي ذلك درس وعبرة في أسباب النجاح وعوامل الفشل مهما كانت قوة البلاد وتقدمها طالما كانت متفرقة ومختلفة فإن الهزيمة والفشل هو طريقها ولو بعد حين] ].
ـ ورغم حكمة الملك العادل الأيوبي ورؤيته لما جرى للبلاد عندما تقسمت بين أبناء صلاح الدين وحجم الخلاف الذي وقع بينهم إلا أنه لم يستفد من هذا الدرس المجاني من أبناء أخيه وأقدم على نفس الخطأ فقسم البلاد بين أبنائه الثلاثة كالآتي:
ـ الأمير محمد الملقب بالكامل: على الديار المصرية وفلسطين.
ـ الأمير عيسى الملقب بالمعظم: على دمشق وباقي الشام.
ـ الأمير موسى الملقب بالأشرف: على منطقة الجزيرة 'بين الشام والعراق'.
ولاستمرار الحملات الصليبية على الشام ومصر لم يظهر بين هؤلاء الثلاثة خلافات بسبب تصديقهم للحملات الصليبية واشتغالهم بقتال الأعداء عن الخلافات المتوقعة.
ـ الحملة الصليبية الخامسة:
ـ لم يكف أبدًا الباباوات في روما عن إثارة عزائم وحفائظ ملوك وأمراء أوروبا من أجل استئناف سلسلة الحملات الصليبية التي هدأت قليلًا بعد وفاة صلاح الدين والفشل المدوي للحملة الصليبية الرابعة التي بدلًا من أن تتجه لقتال المسلمين بالشام اتجهت إلى قتال النصارى الأرثوزكس بالقسطنطينية وذلك سنة 600هـ، واستغل البابا 'أنوسنت' الثالث فرصة موت الملك المجاهد العادل الأيوبي وحشد جيشًا كبيرًا يقوده الفارس 'جان دي بريين' وكان مرشح البابوية ليكون ملكًا على بيت المقدس إذا استعادها من المسلمين.
ـ قررت هذه الحملة التوجه إلى دمياط لاحتلال مصر التي تمثل مركز الثقل في المنطقة وكان أمير مصر وقتها هو محمد الكامل الذي تصدى للحملة بمنتهى الشجاعة وطلب المساعدة من أخويه بالشام والجزيرة، بفضل الله عز وجل وحده ثم بطولات الشعب المصري استطاع المسلمون هزيمة تلك الحملة الخامسة التي ارتكب قائدها خطأ تعبويًا عسكريًا أدى لوقوعه في منطقة غيطان النيل وغرق معظم أفراد الحملة الجائرة.
ـ الإمبراطور فريدريك الثاني:
ـ توقف نشاط الحملات الصليبية بعض الوقت حتى حركها الإمبراطور فريدريك الثاني إمبراطور الدولة الجرمانية المقدسة وذلك سنة 625هـ بأن لبس شارة الصليب ـ وهذا إعلان بالخروج لحملة صليبية جديدة ـ وكان الخلاف بينه وبين بابا روما 'هونوريوس الثالث' شديدًا وذلك لأن فريدريك قد وعد البابا يوم اعتلائه لعرش الدولة الجرمانية بأنه سيشن حملة صليبية هائلة يستعيد بها بيت المقدس، ثم تراخى فريدريك عن ذلك واشتغل بأملاكه في منطقة صقلية ولومبارويا مما أدى لاصطدامه مع بابا روما الذي كان يعلن دائمًا أن منطقة إيطاليا وما حولها أملاك خاصة بالبابوية.