ـ أقدم فريدريك على خطوة أخرى زادت من حنق وغضب 'هونوريوس' عليه وذلك أنه تزوج من إيزابيلا ابنة جان دي بريين قائد الحملة الخامسة الفاشلة على دمياط والذي كان مرشحًا من قبل ـ كما ذكرنا ـ لإمارة بيت المقدس، وقد أعلن فريدريك بعد هذا الزواج أنه الأحق بملك بيت المقدس، وأظهر أنه خارج بقيادة الحملة الصليبية السادسة على بلاد الإسلام.
ـ خرج فريدريك يقود الحملة الصليبية السادسة دون أن يأخذ موافقة البابا مما أدى لغضبه عليه بشدة ثم تحول هذا الغضب إلى ثورة عارمة عندما ترك فريدريك الأسطول وعاد مسرعًا بحجة المرضى ودوار البحر، وهذا الأمر عمَّق الخلاف بشأن تلك الحملة فكان من المقدر لها أن تفشل كما حدث مع الحملة الرابعة والخامسة، ولكن الأغرب هو ما جرى على الجبهة الداخلية للمسلمين.
ـ المسلمون إلى أين؟
ـ كلما كانت الظروف عصيبة والمواجهة على أشدها كلما كان ذلك يقتضي من المسلمين الحيطة والحذر والمرابطة والاتحاد، خاصة من كان على ثغور الإسلام، ونعني بذلك الشام ومصر، ولكن الأمر العجيب حقًا أن يشاهد المسلمون ما جرى لهم مرات ومرات جراء تفرقهم واختلافهم وتناحرهم وأن عدوه على بابهم ينتظر هذه الفرصة لينقض عليهم ... وقد حدث ... ومع ذلك هم يعادون الكرة المرة بعد المرة ثم هم لا يتعظون ولا ينتهون، فلقد سبق وأن تسلط الصليبيون في الحملة الخامسة عندما افترق الصف وتناحر الإخوة، ومع ذلك عادت النغمة الرديئة فاختلف الأمير محمد الكامل مع أخيه الأمير عيسى المعظم على الحدود المشتركة بينهما، وطمع كلاهما في الآخر، واشرأب الخلاف بينهما ونجمت الصراعات العلنية، وطارت أخبار ذلك للصليبيين فقاد فريدريك حملته السادسة.
ـ ظهر تهديد آخر على ساحة الأحداث يوضح مدى ضياع الرابطة الإيمانية بين المسلمين وكيف أن الدنيا أهلكتهم كما أخبر بذلك الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهذا التهديد كان متمثلًا في القبائل الخوارزمية المسلمة التي هاجرت من ديارها تحت وطأة الاكتساح التتاري لبلادهم، وكانت هذه القبائل قوية وشرسة وصمدت طويلًا أمام التتار، ولكنها انهارت أمام الضربات الساحقة للتتار، توجهت هذه القبائل هائمة على وجهها ناحية منطقة الجزيرة والشام واشتبكت في معارك كثيرة مع المسلمين هناك، مما أوجد ضغطًا كبيرًا على المسلمين بالشام فمن يواجهون؟ الصليبيين أم إخوانهم المسلمين.
ـ بريق الكراسي:
ـ عاود فريدريك المسير ناحية الشام بعد ضغوط كنسية ولحق بالحملة عند مدينة عكا وانضم إليه ملك جزيرة قبرص الصليبي 'آندرو دي لوزينان' فاستولت الحملة على مدينة صور وصيدا، وانتشرت الشائعات عن قوة هذه الحملة وضخامتها، وعم الإرجاف بالشام ومصر، ولكن فريدريك كان يضمر في نفسه شيئًا آخر؛ فلقد كان يخطط منذ خروجه بهذه الحملة على عدم القتال والتفاوض مع المسلمين.
ـ كان فريدريك يخشى على أملاكه بأوروبا إذا دخل في قتال طويل مع المسلمين خاصة بعد صراعه وخلافه الحاد مع بابا روما 'هونوريوس' قبل الخروج للقتال، فأرسل إلى الأمير محمد الكامل أمير مصر يعرض عليه أن يتنازل محمد الكامل عن بيت المقدس ـ وكان من ضمن أملاكه مع مصر ـ نظير أن يرجع فريدريك عن غزو مصر وباقي بلاد الشام، ويتعهد بمنع الحملات الصليبية مهما كانت ومن أي مكان على الشام ومصر، ويعقد حلفًا مع المسلمين لمدة عشر سنين ونصف لا يحاربهم فيه أبدًا، وأيضًا يمنع المدد والمؤن عن باقي الأمراء الصليبيين بالشام، ويتعهد أيضًا بحفظ المسجد الأقصى وإعطاء المسلمين الحرية التامة في ممارسة شعائر دينهم.
ـ كان الأمير محمد الكامل يحب الدعة والسكون ويكره القتال رغم بطولاته الرائعة في صد الحملة الصليبية الخامسة على دمياط، وكان أيضا محبًا للملك والإمارة، وقد أعماه بريق الكرسي وأثر ملكه وماله وضياعه على مقدسات الأمة فوافق على العرض الذي تقدم به فريدريك، وتنازل عن بيت المقدس في ربيع الآخر سنة 625هـ طواعية بلا ضرب ولا جهد، وتسلمها الصليبيون غنيمة باردة، وعُدَّ ذلك إهانة عظيمة ومصيبة كبيرة، وركب المسلمون في أرجاء البلاد الهم والحزن والبكاء عن هذا الخزي والدنية التي قام بها محمد الكامل الذي آثر الدنيا وحبها عن الدفاع عن المقدسات.
ـ وكان محمد الكامل صاحب همة في العمل والعمران وتقدمت الديار لمصرية في عهده تقدمًا كبيرًا بفضل ما قام به من إصلاح الري وتحسين حال الزراعة، وبني المدارس العلمية، ولكن ما يساوي ذلك كله بجانب تفريطه في المقدسات من أجل مكاسب زائلة وأوهام فانية، فارتكب غلطة شنيعة أهالت التراب على كل تاريخه وجهاده السابق، وذهب ملكه بعد ذلك بقليل، فلا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، وبقيت ذاكرة الأمة تحفظ له هذه الغلطة البالغة.
ـ الزنديق الأكبر: