محمد المجذوب
يقول الفيلسوف الإنجليزي (برناردشو) : (لو أن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ واجه مشكلات هذا العصر لأمكنه أن يضع لها أصلح الحلول بأقصر الأوقات) .
ومثل هذا القول يصدر عن ذلك الفيلسوف إنما مرده إلى ما يعلمه عن طريقة رسول الله في علاج النفس البشرية ، تلك الطريقة التي سجلت أعظم النجاح في الجيل الإسلامي الأول ، إذ أخرجته من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام ، فكونت من تلك النفوس الضائعة خير أمة أخرجت للناس ، فكان عمله صلى الله عليه وسلم فيها كعمل الخبير بعناصر المادة المنثورة في طبقات الأرض ، فلا يزال بها يخرج منها عجائب الموضوعات الباهرة للعقول .. وطبيعي أن نجاحه صلى الله عليه وسلم في تصحيح تلك النفوس الجاهلية برهان قاطع على أن في شريعته الإلهية العلاج الحاسم لكل أدواء البشرية المعاصرة .. وهذا ما يرمي إليه برناردشو في كلمته الحكيمة .
ولا عجب فإن فمحمد رسول الله ، قد اصطفاه لحمل رسالته الخاتمة إلى العالمين فأدبه وأحسن تأديبه ، وعلمه ما لم يكن يعلم ، وزوده بكل المواهب التي تؤهله لإنقاذ الإنسان ، وليكون بأخلاقه وبدعوته وبقيادته الأسوة المثلى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
والحديث عن إمام المرسلين المبعوث رحمة للعالمين واسع تضيق عنه المجلدات فكيف بالصفحات ، لذلك لا نجد مندوحة عن الاكتفاء بالإيجاز عن التفصيل ، وسنقف في هذا الموجز على جوانب ثلاثة من حياته الكريمة صلوات الله وسلامه عليه .
الداعية العظيم:
الدعوة إلى الله مهمة الأنبياء الذين اصطفاهم الله لقيادة الإنسانية في هذه الحياة ، ثم هي مهمة الصفوة المختارة من أنصارهم الذين لا ينفكون ينيرون دروب الناس بهداية الله على مر العصور.. وهي أصعب المهام وأثقلها لأن غايتها ضبط مسيرة الإنسان في الطريق الذي يحبه الله ، كما أوضح ذلك في كتابه الحكيم حيث يقول: [أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن] النحل ـ 125 .
ولقد حقق صلى الله عليه وسلم أمر ربه على أفضل الوجوه ، فكان الداعية الأعظم ، الذي يكون سلوكه في الدعوة صورة كاملة للحكمة والموعظة الحسنة ، والقدرة البالغة على مخاطبة الفطرة بأكمل وألطف وسائل الإقناع .
ومن البديهيات أن أول شروط الداعية إلى سبيل الله إيمانه بالموضوع الذي ينهض بالدعوة إليه ، إيمانًا يستحوذ على كل تصرفاته ، فيهون عليه مواجهة العقبات التي تعترضه ، إذ يقابلها بصبر أكبر منها ، ولا تزيد العقبات إلا تصميمًا على الدعوة وتجلية لحقائقها ، حتى لا يدع لمعاند حجة في إعراضه عنها .
وقد عرفته مكة منذ نعومة أظفاره صلى الله عليه وسلم بأكرم الخصال المساعدة على اجتذاب القلوب والعقول ، حتى كانت تلقبه بالصادق الأمين ، والصدق من أعظم العوامل في نجاح الداعي لأنه يثبت له الثقة في صدور الناس،فلا يرفض حديثه منهم إلا الكارهون للحق المؤثرون لمنافعهم العابرة (1) .
ومن الأمثلة الباهرة على إقرار الجميع بصدقه صلى الله عليه وسلم شهادتهم له يوم كلفه ربه الجهر بالدعوة فوقف على الصفا ودعا الناس ، فأقبلوا عليه وبدأهم بهذا السؤال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ فأجابوه دون تردد: نعم ما جربنا عليك كذبًا (1) .
ومع ذلك فقد وجد بينهم من يرفض دعوته ، لا تكذيبًا له ولكن تعصبًا لما ألفوه من الضلالات ، ولهذا يقول له ربه تطييبًا لقلبه: [قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ، فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون] الأنعام 33 .
وكذلك الشأن في تلقيبه بالأمين فهو اعتراف منهم بأنه فوق التهم في كل ما يأتي وما يذر. وقد بلغ من ثقتهم بأمانته أنهم كانوا يأتمنونه على أنفس ما لديهم ، حتى أنه أخر عليًا رضي الله عنه يوم هجرته ليرد ما لديه من الأمانات إلى أهلها . وقد أرشده ربه إلى الطريقة الفضلى في معالجة المؤمنين فقال: [واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين] فكان أرحم بالمؤمنين من امهاتهم ، وبذلك كان أحب إليهم من أنفسهم .
وبهذه الحكمة البالغة كان يلقى الغريب والقريب ليبلغهم رسالة ربه فيمس أسماعهم ومشاعرهم بالكلمة الطيبة التي تفتح له مغاليق القلوب .
لقي ذات يوم أحد اليثربيين الوافدين إلى مكة فأخبره بأسلوبه المبين أنه مرسل من قبل رب العالمين ، وأن الله قد أنزل عليه وحيًا ليبلغه إليه وإلى سائر عباده ، فقال سُوَيْدٌ هذا: لعل الذي معك مثل الذي معي ؟ فسأله صلى الله عليه وسلم: وما الذي معك ؟. فقال سويد: معي مجلة ـ حكمة ـ لقمان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها علي فجعل يقرأ منها ، ولما فرغ قال له صلى الله عليه وسلم: إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا .. وتلا عليه بعض آيات ربه ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد عنه (2) .