فهرس الكتاب

الصفحة 24345 من 27345

في هذا الحوار القصير صورة لحكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرض دينه على الناس ، فهو لم يرفض سماع ما عند الرجل بل أبدى استحسانه له ، وبذلك فتح قلبه لاستماع كلام الله .

ولقد كان لهذا الأسلوب الحكيم رد فعل كبير لدى أعداء الدعوة من مشركي قريش ، جعلهم يبذلون جهدهم للحيلولة بين رسول الله وبين لقائه بالغرباء القادمين إلى مكة ، فيرصدون لهم الطرق ليخوفوهم ويحذروهم من الاجتماع به ، زاعمين أن له سحرًا يفرق به بين المرء وأقرب الناس إليه.

ويوم عقد هؤلاء الطغاة مؤتمرهم في دار الندوة ، لتدبير القضاء على رسول الله وعلى دعوته ، كان من الأفكار التي طرحوها هناك قول أحدهم: نخرجه من بين أظهرنا ما نبالي أين يذهب ، وكان هناك شيخ نجدي دخل معهم ليمدهم بخبرته فقال: ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به (3) .

وإنما يشير هذا الشيطان إلى ذلك الأسلوب النبوي الذي أودعه الله مفاتيح الفطرة البشرية ، فما عن يتصل بها حتى يوقظ في أعماقها روح الإيمان .

وهكذا تتجلى لنا من خلال هذه المشاهد الرائعة شخصية الداعي العظيم الذي لا نجاح لداعية إلا بالتزام سبيله القويم .

الرئيس الأعظم:

كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مدى الثلاث عشرة سنة من العهد المكي مقصورًا على دعوة الناس إلى الإسلام سرًا وجهرًا . وعلى تربية المؤمنين الذين استجابوا لله ورسوله ، يبث في أرواحهم معاني الإسلام ، ويروضهم على أخلاقه ويدربهم على الصبر في مواجهة المحن ، التي يتعرضون لها على أيدي البغاة من طواغيت المشركين ، وعلى الرغم من البلاء الكبير الذي يعانيه منهم لم ينقطع قط عن مواصلة الدعوة إلى الله ، والاتصال بكل وافد على البلد الحرام يقرع قلبه بكلمات الله ، حتى شاء الله أن يبدأ الإسلام مرحلته الجديدة ، مرحلة الانتشار خارج مكة ، فكانت الهجرتان الأولى والثانية إلى الحبشة . ثم جاءت الهجرة الكبرى إلى المدينة المنورة ، إذ هدى الله بعض حجاجها إلى الإسلام على يد رسوله ، فرجعوا به إلى بلدهم ينشرونه بين قومهم ، ثم جاء الموسم التالي بآخرين أعطوا رسول الله البيعة الأولى ، وفي العام التالي وفد العشرات منهم ليقدموا البيعة الثانية ، ومن ثم جعل الإسلام يضرب بجرانه في المدينة حتى لم يبق بيت فيها من منازل الأوس والخزرج إلا دخله الإسلام ، وتتابع أصحاب النبي مهاجرين من مكة إلى جوار إخوانهم الأنصار في المدينة ، حتى أتم الله نعمته على الجميع بهجرة رسوله الأمين ومن بقي في مكة من المؤمنين ، إلا من منعه الحبس أو الفتنة ..

وكان المجتمع اليثربي قبل الهجرة مؤلفًا من الأوس والخزرج ، وهما فرعان لقبيلة واحدة ، من أصل يماني يعملون في الزراعة ، وقد تسربت إليهم سموم العداوة والبغضاء فولدت حروبًا بينهم لا تكاد تنقطع ، كلما انتهوا من وقعة هائلة مضوا يستعدون لأهول منها .

وإلى جانب هؤلاء العرب المقاتلين قبائل ثلاثة من اليهود هم قريظة والنضير وقينقاع ، وعلى داب اليهود في كل مكان كان كل نشاطهم موجهًا لإثارة الفتن بين الأوس والخزرج ليتمكنوا من استغلالها لمصلحتهم المادية ، عن طريق القروض التي يمولون بها عملياتهم القتالية ، فيستردونها من محصولاتهم الزراعية مضافًا إليها الربا المضاعف .

وما إن أطل فجر الإسلام على المدينة التي جعلت ظلمات الفتن تتقلص عن القبيلتين ، وبدأ المسلمون من الأنصار يشعرون بالتقارب فيما بينهم ، ولأول مرة منذ عشرات السنين يستمتعون بروح الأمن الذي يصفه الله بقوله سبحانه في سورة آل عمران 103: [واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنت أعداءً فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانا ، وكنت على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها] .

ولم يتخلف عن هذا الخبر سوى نفر قليل من عرب المدينة ، لبث قسم منهم على شركه ريثما تتجلى له الحقيقة ، ونقم قسم آخر من ذلك التطور، وفي مقدمته رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول ، الذي كان مرشحًا للتويج على المدينة فحال الإسلام دون تحقيق بغيته .

وهكذا بات المجتمع المدني بعد الهجرة مؤلفًا من الأنصار والمهاجرين الذين أصبحوا يؤلفون الكثرة من السكان وينضم إليهم في الظاهر المنافقون ، الذين يبلغون بضع مئات ، ثم بقية المشركين من عرب المدينة ، الذين استسلموا للواقع مع بقائهم المؤقت على عبادة الأصنام .

يقابلهم من الجانب الآخر أولئك اليهود الذين لم يجدوا من مصلحتهم انتشار الإسلام في بلد كان لهم حتى الأمس منطقة استغلال ، فأبطنوا له العداوة مع تظاهرهم بالمودة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت