فهرس الكتاب

الصفحة 22242 من 27345

ما لَنا كلُّنا جَوٍ يَا رسُولُ!

د. خالد الكركي

(إلي محمد جبر الحربي مبدعا وصديقا)

ذاك أنت تسأل عنّا، نحن الذين التحقوا بصفوف اليتامي من المثقفين العرب بعد أن ذبحتنا السياسة وأهلها حين غلّقت الأبواب وقالت إن القيد هيت لكم، وخلفتنا نتشظي رؤي من الحسرة، والعزلة، وصدي القبور الموحشة، والدروب الوعرة في الزمان الإقطاعي الأمريكي الظالم والعجيب.

ها نحن وقد كتبنا بكاءً علي فلسطين فإذا الدمع لا يسعف، وصرخنا باسم الحرية فرددت الجدران صدي باهتا، وحرّضنا علي ظهور الخوارج ضد هذا العالم الذي أفسده الظلم، وخرّبه الذين لا ضمائر لهم يوم قتلوا إنسانيتنا فألقوا بمن ظل منا في غيابة الجبّ، ويوم عرفوا أن عطشنا للحرية هو مقدمة التغيير حرّموا علينا ذكرها، وياسمينها البهي، ورؤاها الخضر،ودفترها الحزين وقالوا لنا: إنكم عما يجري في زمان العولمة غافلون! وها نحن نعيد الأسئلة، ونقع في دائرة التكرار حتي يصاب القراء بالملل منا ومن أفكارنا، ذلك أننا لم نجرؤ علي الدخول في المسكوت عنه ، و الممنوع ، و المخبوء في أدراج الرقابات العربية، الحكومي منها، والطائفي، والأقليمي ! ولم نملك رؤية نقدمها للناس كي يتعلم الغاضبون مباديء تنظيم غضبهم النبيل حتي يكون احتجاجهم واضحا، وكي لا يسحقوا فرادي تحت أقدام الطغاة والغزاة والقاهرين.

إننا نكتب ولكننا لم نقل للناس كيف يخرج المقهورون من ثقافة الصمت إلي بهجة الخطاب، أو علي الأقل إلي فوضي الكلام ! وكيف يتغير واقع يرفض الذين أرهقوا أنفسهم وهم يتحاورون حول أمراضه، وعلله، أن يتقدموا إلي مرحلة تغييره، ولو بالحد الأدني من الوسائل المدنية التي تمثل الحراك الاجتماعي الضروري حتي لا تتصلب شرايين المجتمع وهو يتوهم أنه في أفضل الأحوال.

إنها أزمة، والناس الذين تطحنهم أشكال جديدة من البطالة، والفقر والقمع يحدّقون في كتاب التنوخي الفرج بعد الشدة ، او كتاب ابن عاصم الغرناطي جنة الرضا في التسليم لما قدّر الله وقضي ، وينتهي قلقهم بالصبر والتسليم واستعادة مطلع قصيدة أندلسية لكل شيء إذا ما تم نقصان !

إنها أزمة، وكأن الأمة لا تريد أن تتوحد، والدول القطرية تسعي إلي تجميل نفسها بالحديث عن الديمقراطية، ولا نية لديها لمواجهة الاسئلة الكبيرة في الحرية، و العدل ، والمساواة وقد وزعت حقوق الإنسان المقدسة بين الجمعيات وبعض أهل الإعلام والكلام اعتقادا منها أن هذا مفيد لدي الغرب الذي يهذي بحقوق الانسان وغاب عنها أنه يضيق عليها الخناق فقط، وليس مهتما إن صارت ديموقراطية او دكتاتورية ما دامت موادها الخام تصل إليه، وأسواقها مفتوحة لبضائعه، وإعلامها لا يحرض علي التصدي لهيمنته، وإن ألقي بشقيق لها في غيابة الجبّ فعليها أن تنأي بنفسها عن المقاومة والجهاد والاستشهاد، فهذه أفكار تضرّ بصحة الأنظمة والحكومات!

إن التحولات تتدفق في الدنيا، وهذا عصرٌ مدهش، وأمتنا كما يقول د. أحمد كمال أبو المجد، أمة مدهشة، ولم تفرغ بعد من الدهشة حتي تتعامل مع الواقع تعامل القادر علي إمساك الخيوط بيدها، والتعامل معه تعاملا جدّيا وها نحن ننفصل عن العصر، ويضيق بنا الحاضر، ولا نستشرف المستقبل، وندّعي أننا دخلنا القرن الحادي والعشرين دون أن نخجل من الاعتراف أننا نملك نسبا عالية من الأمية، ومن الناس الذين تحت خط الفقر، والذين لا مساكن لهم، ومن لا يجدون الماء الصالح للشرب، ومن لم يصلهم من بهجة الحياة سوي ما يكون في ساعة ولادة طفل جديد، ثم ينتظرون حزن ساعة الموت وهو أضعاف سرور في ساعة الميلاد ، كما أخبرنا المعري الذي نشتاق إلي ندائه:

الأرضُ للطوفانِ مشتاقةٌ لعلها من درنٍ تغسلُ

(نسلم عليه، ونقرأ مطلع رائعة الجواهري في ذكراه:

قف بالمعرةِ وامسح خدَّها التَّرِبا واستوحِ من طوّقَ الدنيا بما وهبا)

وأعرف أن هذا اعتراض لا ضرورة له، لكنني أدرب قلمي علي الخروج علي،ّ والبوح بما يجب البوح به، لكنه يأبي أن يتغير الأسلوب!

إن الأزمة في اسلوبنا أيضا، وها نحن نتكيء علي التراث أحيانا، وعلي الشعبي من الأخبار في أحيان أخري، وقد جربنا الغموض والتستر وراء بهارج الألفاظ، ونحن ندرك أننا أمام غزو إقطاعي عالمي جديد ينشر الفوضي والخراب في الدنيا كلها، وقد استبد، وانحط، وتخلي عن القيم الإنسانية، حتي صار من أمرنا في فلسطين وأفغانستان والعراق ما هو واضح وجارح وهو يطالبنا بحلف بين الجزار والمذبوحين، وبسلام بين القتلة الصهاينة والاستشهاديين الفلسطينين، وقد ضاعت الحقيقة بين مصطلحات التكنوقراط، وأدعياء الديمقراطية الذين هم لها كارهون، وقالوا إن خلاصنا في الليبيرالية، ونحن أدري منهم بجراحنا وعلاجنا، ولدينا فيض في أعداد الذين تعلموا لا في الذين حوّلوا المعرفة إلي ثقافة ورؤية، وموقف من الحياة:

حقوق الإنسان، والكرامة، والخبز، والغناء، والكتاب، والتقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت