فهرس الكتاب

الصفحة 22243 من 27345

قد يري آخرون، خاصة من أهل السياسة، أن الناس يسعون وراء أمور لا تعنيهم، ولا يتركون أمور الحكم وادارة المجتمعات لأهلها، والجواب هو ما قاله الحارث بن عباد في حرب البسوس، يوم قتل ابنه: لم أكن من جُناِتها علمَ الله وإني بحرِّها اليوم صَالي وهذا هو حالنا، فنحن أجيال ظلت تنتظر التحرير فأطلت عليها النكبة والنكسة، ورأت حروبا أهلية من النوع الذي يشيب له الولدان، وعاصرت زيادة السجون، وكبت الحريات، وظلّت تري التناقص بين ما تتعلم وما تري في الواقع، لذلك كان عليها أن تخرج من ثقافة الصمت لتقول كلاما مختلفا أوّله عن حقها في البكاء علي أسوار القدس وبغداد، إن لم نقل إن عليها عبء التنوير والتحريض والتغيير، وإلا أسلمنا الأمة لمغول الزمان الجدد، وتجار الإعلام والحروب، ونسينا أحلامنا التي بدأها الكواكبي قبل قرن من الزمان وهو يهجو الاستبداد.

إن من يحاول أن يقدم شيئا متميزا يخشي جزاء سنمار ، والحكاية معروفة، لكن ما يبعث علي الأسي أن النعمان، سيد القصر الجديد، أراد أن يحتكر الفنان لنفسه، وحين أحسّ بأن ذلك قد لا ينجح ألقي به إلي حتفه!إنها حالات تبعث علي الأسي، وما تحاوله الرأسمالية العالمية اليوم هو احتكار من تراه نافعا لها، وإن وقعت منه علي ضعف في الولاء ألقت به من شاهق، أو أودعته في غيابة النسيان.

إن زمانا لا يعطي فيه الناس حقهم في الخبز والحرية والكرامة والعلم زمان بائس، وأن أنظمة أو حكومات تغيب الشعوب عن الفعل السياسي، وتحتكر الحقيقة والقرار، هي أيضا بائسة، وإن فئات تريد العودة إلي الماضي والجمود عنده هي أيضا طيبة النية لكنها ساذجة، وإن الجاحدين الذين يتنكرون للأمة ويلقون بأنفسهم في أحضان الآخر المهيمن متآمرون، وأن الصراخِ الذي لا يتبعه تغيير في الواقع نحو الحياة الجديدة بمعاييرها (الحرية، والعدل،والمساواة، والديمقراطية) هو فعل ناقص لا فائدة ترجي منه وإن أمة تعدادها 257 مليون (تعداد 1996) بينهم 13 ملايين من الأميين، قد تظل في دائرة الفقر والتبعية إلي زمان قادم بعيد وستظل جراحها دامية، وقد لا تتمكن من تحقيق مشروعات التنمية لأنها غير متكاملة قوميا، ولا تملك في سائر الأقطار العربية قاعدة علمية وتكنولوجية راسخة.تلك هي الأمة الموزعة في اثنين وعشرين كيانا، وذاك هو صوت غناء قديم يمتد في مناخ الضعف: ويلي من البينِ ماذا حلَّ بي وبها من نازلِ البينِ، حلَّ البينُ، وارتحلواوقد عجبت لتكرار البين ثلاث مرات وكأن صخرة تطبق علي روح الشاعر، فتذكرت أن قطعا هائلة من الصخور تطبق علي أرواحنا، ويكفينا مصطلحات التصريحات السياسية العربية في موضوع احتلال أمريكا للعراق، والكثير من حوارات الإعلام العربي التي تضع الباطل إلي جانب الحق ثم تقول لنا: هذا هو الحوار، وهذا هو التعبير عن بنية الوعي الجديد،إذن فليتشكل الوعي الجديد بسيطا وعذبا مثل قصيدة لناظم حكمت:

أريد أن يغني أطفالنا

حين يعودون متشابكي الأيدي

من حدائق الأطفال

الأغاني التي غنيتها لنفسي

إن أجمل ما سمعته من أصوات

سؤال طفل عن النجوم

وهو ينام علي ركبتي في ليلة صيف

وليكن المبدعون العرب جديرين باسمائهم في الزمان القادم، وهم يحلقون بأجنحة منسوجة من الحرية، والعدل، وكرامة الإنسان، ولتكن لغتهم، وألوانهم، وإيقاعاتهم فرحا بالحياة والمقاومة، ورفضا لهذا السواد الذي يمدّه علي أرضنا الغزاة والمستبدون ولينشدوا مع جدّهم أبي الطيب رائعته:

ما لنا كلُّنا جَوٍ يا رسولُ أنا أهوى وقلبك المتبولُ

إنها لحظة تاريخية صعبة، ولكن الصمت فيها هزيمة، وخير من الهزيمة أن نحمل أكفاننا ونسعي إلي المقابر قبل زمان موتنا بزمان هذا إن كان الخائفون يستحقون أضرحة في تراب الوطن، ونعيا في أعمدة الصحافة، وتذكرا في أربعين الخوف والهزيمة، والصمت المريب.

صوت:

هوّنْ علي بصرٍ ما شقََّ منظرُهُ

فإنما يقظاتُ العينِِ كالحُلُمِِ

ولا تشكََّ إلي خلقٍ فتُشْمِتَهُ

شكوي الجريحِِ إلي الغربانِِ والرَّخَمِِ

وكنْ علي حذرٍ للناسِِ تسترهُ

ولا يغرَُّك منها ثغرُ مبتسمِِ

سبحانَ خالقِ نفسي كيف لذ ّتها

فيما النفوسُ تراهُ غايةََ الألمِِ

(المتنبي)

* ناقد وأكاديمي من الأرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت