عبد المحسن بن محمد القاسم
أضيفت بتاريخ: 06 - 12 - 2003 نقلا عن: دار القاسم نسخة للطباعة القراء: 8352
إن الإسلام دين الله المتين، لا يُقبل من أحد دين سواه، جامع بين العلم والعمل، وسط في العبادة والمعتقد، صدق في الأخبار، عدل في الأحكام، وقد ضلّت طوائف عن الصراط المضيء، ممتطية كبرها أو جهلها، تنكبّت طريقًا معتمًا، وسلكت ودايًا مجدبًا، وسنة الله ماضية في كشف ستره عن الظالمين ولو بعد تتابع الدهور، قال عز وجل: { وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } [الأنعام:55] .
واليهود أضلّ الملل، لاح في ديانتها العوج والخلل، أبان الله في كتابه أحوالهم تصريحًا وإسهابًا، إيماءًا واقتضابًا، في مئات الآيات ووصفهم وصفًا مطابقًا عادلًا، حذّر منهم، ووضعهم في مقدمة صفوف أعداء المؤمنين: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ } [المائدة:82] .
واجهوا الإسلام بالعداء والإباء، واحتضنوا النفاق والمنافقين، وحرضوا المشركين وتآمروا معهم ضد المسلمين، إكتوى المسلمون بنار عداوتهم وكيدهم، تطاولت ألسنة السفهاء منهم على خالقهم، جمع لهم نبيهم بين الأمر والنهي والبشارة والنذارة، فقابلوه أقبح مقابلة، كانوا معه في أفسح الأمكنة وأرحبها وأطيبها هواء، سقفهم الذي يظلهم من الشمس والغمام، وطعامهم السلوى طير من ألذ الطيور، وشرابهم من العسل، ويتفجّر لهم من الحجر اثنا عشرة عينًا من الماء، فكفروا النعم، وسألوه الاستبدال بما هو دون ذلك، طلبوا الثوم والبصل والعدس والقثاء، وهذا من قلة عقلهم وقصور فهمهم، يعتقدون أن الصواب والحق مع من يشدّد ويضيّق عليهم.
عرضت عليهم التوراة فلم يقبلوها، فأمر الله جبريل عليه السلام، فقلع جبلًا من أصله على قدرهم، ثم رفعه فوق رؤوسهم، وقيل لهم إن لم تقبلوها ألقيناه عليكم، فقبلوها كرهًا، قال تعالى: { وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأعراف:171] .
ولما بعث نبينا محمد حرّضوا الناس عليه وقاتلوه، آذوه عليه الصلاة والسلام، وتآمروا على قتله والغدر به مرارًا، وهمّوا بإلقاء حجر كبير عليه في بني النضير من أعلى بيت كان يجلس تحته، فأتاه خبر السماء، وأهدوا إليه شاة مشوية فيها سم، فلات منها عليه الصلاة والسلام شيئًا، وظلّ متأثرًا بما لانه منها حتى توفي، ومكروا به، فسحروه، حتى كان يخيّل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعل، فكفاه الله وخلصه من ذلك.
قوم يشعلون الفتن، ويوقدون الحروب، ويبثّون الضغائن، ويثيرون الأحقاد والعداوات: { كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ } [المائدة:64] .
يكتمون الحق، ويحرفون الكلم عن مواضعه، أصحاب تلبيس ومكر وتدليس: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } [آل عمران:71] .
ينقضون العهود، وينكثون المواثيق، قتلوا عددًا من الأنبياء الذين لا تنال الهداية إلا على أيديهم، بالذبح تارة، والنشر بالمناشير أخرى، أراقوا دم يحيى، ونشروا بالمناشير زكريا، وهمّوا بقتل عيسى، وحاولوا قتل محمد مرات، ولا خير فيمن قتل نبيًا: { أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } [البقرة:87] .
اليهود لنعم الله وآلائه جاحدون، إن أحسنت إليهم أساءوا، وإن أكرمتهم تمردوا.
نجاهم الله من الغرق مع موسى فلم يشكروا الله، بل سألوا موسى إباءً واستكبارًا أن يجعل لهم إله غير الله، يعبدون الله على ما يهوون، لأنبيائه لا يوقرون، قالوا لنبيهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله بأعيننا جهرة، { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ } [الذاريات:44] .
قوم حساد إن رأوا نعمة بازغة على غيرهم سعوا لنزعها، وفي زعمهم أنهم أحق بها، يقول النبي: « إن اليهود قوم حسد » [أخرجه ابن خزيمة في صحيحه: 574 من حديث عائشة رضي الله عنها، رواه ابن خزيمة] .
دمروا الشعوب والأفراد بالربا، يستمتعون بأكل الحرام، يستنزفون ثروات المسلمين بتدمير اقتصادهم، وإدخال المحرمات في تعاملهم، يفتكون بالمسلمين لإفلاسهم، ويسعون إلى فقرهم، يتعالون على الآخرين، بالكبر تارة، وبالإزدراء أخرى، يتعاظمون على المسلمين عند ضعفهم، ويذلون عند قوّتهم، في أنفسهم أنهم شعب الله المختار، وغيرهم خدم لهم، إنما خلقوا لقضاء حاجاتهم.