عبد العزيز بن ناصر السعد
(...وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ(43) وَمَا آتَيْنَاهُم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) [سبأ: 4346] من هذه الآيات البينات يتضح أن الموعظة الموجهة إلى مشركي قريش كانت بسبب اتهامهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب تارة وبالسحر تارة أخرى دون تفكير أو تدبر، شأنهم في ذلك شأن الذين يتبعون أهواءهم وآثار آبائهم ومتبوعيهم دون دليل.
وقد أقام الله عز وجل هذه الموعظة العظيمة التي من أخذها بجميع مقوماتها فلا بد أن يصل إلى الحق وهو في الآية كون النبي صلى الله عليه وسلم رسولًا من عند الله عز وجل، ونذيرًا لهم بين يدي عذاب شديد، وليس كما يزعمون ويرددون دون وعي ولا نظر بأنه ساحر أو كاذب أو مجنون، (مَا بِصَاحِبِكُم مِن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) ولكي يحصل الانتفاع بهذه الموعظة العظيمة فلابد من الأخذ بجميع المقومات التي قامت عليها هذه الموعظة وهي: القيام لله تعالى: (أَن تَقُومُوا لله) والتجرد في طلب الحق.
مراجعة النفس والخلوة بها أو مع شخص ثانٍ (مَثْنَى وَفُرَادَى) .
التفكر والاجتهاد فيما يقوله المخالف (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) .
وتظهر أهمية هذه المقومات في كلام علماء التفسير رحمهم الله تعالى.
يقول الشوكاني في (فتح القدير) حول قوله تعالى (إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ) : أي أحذركم بواحدة وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه وأوصيكم بخصلة واحدة وهي (أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى) .
وهذا تفسير للخصلة الواحدة أو بدل منها أي هي: قيامكم وتشميركم في طلب الحق بالفكرة الصادقة متفرقين اثنين اثنين وواحدًا واحدًا لأن الاجتماع يشوش الفكر، وليس المراد القيام على الرجلين بل المراد القيام لطلب الحق وإصداق الفكر فيه (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الكتاب، فإنكم عند ذلك تعلمون أن (مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ) وذلك لأنهم كانوا يقولون أن محمدًا مجنون، فقال لهم: اعتبروا أمري بواحدة وهي أن تقوموا لله وفي ذاته مجتمعين ومتفرقين، فيقول الرجل لصاحبه هلم فلنصدق هل رأينا بهذا الرجل من جنة أي جنون أو جربنا عليه كذبًا ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه وليتفكر ولينظر.
فإن في ذلك ما يدل على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم صادق وأنه رسول من عند الله عز وجل وأنه ليس بكاذب ولا ساحر ولا مجنون اهـ.
ويقول النسفي في تفسيره (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ) : أي بخصلة واحدة وقد فسرها بقوله (أَن تَقُومُوا لله) الآية.
على أن عطف بيان لها.
وقيل في محل الرفع والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم وهي (أَن تَقُومُوا لله) أي لوجه الله خالصة لا لحمية ولا لعصبية بل لطلب الحق.
(مَثْنَى) اثنين اثنين، و (فُرَادى) فردًا فردًا (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) في أمر محمد وما جاء به، أما الاثنان فيتفكران يعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران نظرة الصدق والإنصاف حتى يؤدي النظر الصحيح إلى الحق.
وكذلك الفرد يتفكر مع نفسه بعدل وإنصاف وبعرض فكره على عقله.
ومعنى تفرقهم مثنى وفرادى أن الاجتماع مما يشوش الخواطر، ويعمي البصائر ويمنع الروية ويقلل الإنصاف فيه ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب ولا يسمع إلا نصرة المذهب. اهـ.
ويقول الشيخ السعدي (في تفسير الكريم المنان) في تفسيره لهذه الآية: أي أعظكم بخصلة واحدة أشير عليكم بها وأنصح لكم في سلوكها وهي طريق نصف لست أدعوكم إلى اتباع قولي ولا إلى ترك قولكم من دون موجب لذلك وهي (أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى) أي تنهضوا بهمة ونشاط وقصد لاتباع الصواب وإخلاص لله عز وجل مجتمعين ومتباحثين في ذلك ومتناظرين وفرادى كل واحد يخاطب نفسه بذلك فإذا قمتم لله مثنى وفرادى واستعملتم فكركم وأجلتموه وتدبرتم أحوال رسولكم هل هو مجنون فيه صفات المجانين من كلامه، وهيئته ووصفه، أم هو نبي صادق منذر لكم؟ فلو قبلوا هذه الموعظة واستعملوها لتبين لهم أكثر من غيرهم أن رسول الله ليس بمجنون، لأن هيئته ليست كهيئة المجانين وخنقهم واختلاجها..
فكل من رأى أحواله وقصده استعلام هل هو رسول الله أم لا سواء تفكر وحده أو مع غيره؛ جزم بأنه رسول الله حقًا وتبين صدقه. اهـ.