مجالس التذكير
بقلم / عمر مناصرية
أولا: الصلاة:
ما هي العبادة ؟ هل هي الاكتفاء بالقول أنها الصلة بين العبد وربه فقط، أم أنها أكثر من ذلك ، قدرة الإنسان على التجريد والانطلاق والتحرر من أسر التفاصيل والأجزاء التي تتراكم عليه فتحجب عنه ربه ؟ هل هي مجرد حركات نقوم بها صباح مساء ولا تعود علينا بأي نفع ؟ أم أن بإمكانها أن تمنحنا البداية للتغيير المنشود ؟
غالبا ما نكتفي بالقول أن العبادة هي العلاقة التي تربط الإنسان بخالقه ، أو هي الصلة بين العبد وربه ، ثم نترك الأمر على ما هو عليه ، وإذا أتينا إلى هذه العبادة وتأثيرها على الإنسان المسلم ، وجدنا أن لا تأثير لها على حياته ، حتى أصبحت الصلاة مجرد حركات يقوم بها المسلم في المسجد أو في بيته ، لا تضيف إلى حياته جديدا ، ولا تغير فيها شيئا ، وكأنها عمل من الأعمال الأخرى التي نؤديها مخافة رب العمل أن يؤنبنا أو أن يعاقبنا ،ثم إذا غاب اختفى العمل وتوقف ، وفي أحسن الأحوال، جرى بصورة ظاهرية ، فهو موجود لكن نتائجه غائبة ، وهكذا أصبحت الصلاة وسائر العبادات ، مجرد عمل من الأعمال التي نقوم بها بصورة مفروضة ، حتى أصبحت ثقيلة الحمل ، تنوء بها الرجال في مساجد الله .
مفهوم الصلة:
من أكثر الملاحظات التي نراها في الصلاة ، هي أن النفس فيها بإمكانها أن ترتقي بفكرها ووعيها إلى درجات عالية من الوجود أمام الله ، كما بإمكانها أن تنحط إلى أدنى المستويات ، عندما يصيب النفس السهو المتكرر والشرود الطويل الذي لا ينتبه منه المسلم إلا عندما يسلم خارجا من صلاته ، ليعود إلى حالة الوعي التي كان فيها قبل الصلاة ، وكأن الصلاة هي غيبوبة فقط ، يدخلها العبد ليزيد نفسه حسرة وحيرة .
وهذا راجع إلى طبيعة الصلة بين العبد والله، فهي صلة ينبغي أن تكون وفق شروط معينة ومحددة ، وينبغي أن تكون منظمة غاية التنظيم ، كما نلاحظ ذلك في أفعال القيام والركوع والسجود ، التي تعبر عن درجة الانضباط الذي ينبغي أن يكون عليه العبد أمام الله ، أو في الأدعية والكلام الذي نقوله ، إذ تتم مخاطبة الله بكلامه هو ، أو بكلام رسوله ، من تسبيح وتعظيم وتنزيه له وثناء عليه ، أو بدعائنا وتضرعنا إليه .
هذا هو المعنى العميق للعلاقة ، فهي الإحساس والمشاعر والخشوع والخضوع لله ، أي الإحساس بالحضور أمام الله ، وكل علاقة مع شخص لا يكون فيها للمشاعر دور فهي علاقة ميتة ، فكيف بالعلاقة مع الله.
غير أن هذا التنظيم لا بد أن يؤدي أيضا إلى حال من الخشوع الذي يمثل الهدف لأفعال الصلاة ، أي أن التنظيم والانضباط السلوكي والقولي أساسه أن يؤدي بالعبد إلى حالة من الإحساس الوجداني والروحي بالعلاقة مع الله ، وهذا هو المعنى العميق للعلاقة ، فهي الإحساس والمشاعر والخشوع والخضوع لله ، أي الإحساس بالحضور أمام الله ، وكل علاقة مع شخص لا يكون فيها للمشاعر دور فهي علاقة ميتة ، فالعلاقة التي تربط الزوجين ، إن لم تكن مبنية على المشاعر والحب ، فلا بد أنها ستكون علاقة ناقصة ، ولن تؤدي إلا إلى النفور ، كذلك العلاقة مع الله في الصلاة ، وهي أكبر من أي علاقة ، إذا لم تؤدي الحركات والأفعال الظاهرية إلى الإحساس بالوجود النفسي والفكري أمام الله ، فلن تكون إلا علاقة ظاهرية ، فارغة من الداخل ، وإذا أصبحت على هذا النحو ، انعكس ذلك على الفعل الظاهري نفسه ، حيث ينكسر هذا الفعل ، كما يتهدم بنيان من الأبنية ، ويصبح العبد غير مدرك لما يقوله أو يفعله ، فيخطئ ويسهو ، ولا يخرج من صلاته إلا بمزيد من السهو والحيرة .
وإذا أصبحت الصلاة على هذا النحو ، أصبحت ميدانا لكل شيء ، للوساوس والأفكار والشرود ، كالبيت الفارغ المهجور الذي تؤمه الوحوش والطيور الغريبة والقطط الضالة ، لتتخذ منه مأوى لها ، وكذلك الصلاة والعبادة عموما ، إذا خلا الله من قلب العبد فيها ، سكنته الشياطين بوساوسها وأزيزها ، ذلك أن الصلاة كما قلنا هي الفعل الذي نؤديه لله وأمام الله ، وإذا خلا الله منه ، أصبح مكانا لكل شيء وأي شيء، وأصبح مجرد انعكاس ليوم الإنسان ، يواصل فيه عمله الذي تركه ، فيخطط له فيه ويبدأ من حيث انتهى ، وكأنه لم ينقطع عنه أبدا.
الانقطاع مفهوم أساسي في الصلاة ، إذ يعني القدرة على كسر المألوف والمعتاد ، أي التغيير بمعناه الدقيق والعميق ، فمن المعروف أن المألوف يصبح ذا سلطة على العبد ، وعندما لا يبادر إلى كسره ، فإنه سيصبح عادة قوية ، تفرض نفسها عليه وعلى حياته.