(محاضرات نخبة من العلماء وعلى رأسهم الإمام محمد قاسم النانوتوي في معرض
معرفة الذات الإلهية المنعقد 7/مايو 1876م في"تشاندافور"
بمديرية"شاه جهان فور"بولاية أترا براديش ، الهند)
(الحلقة 2)
تعريب: الأستاذ محمد ساجد القاسمي / أستاذ بالجامعة
محاضرة الشيخ محمد قاسم النانوتوي:
ثم جاء دور علماء المسلمين ، فوسَّدوا مسؤولية المحاضرة إلى الشيخ محمد قاسم . لم يرد الشيخ - لأسباب - أن يلقي محاضرته ، إلا أنهم لما أصرُّوا عليه قامَ وحمد الله وأثنى عليه ، وأبدى تواضعه وعجزه ثم تشهَّد شأنَ الخطباء المسلمين وألقى محاضرته .
حقانيةُ دينٍ تتوقف على حقانية معتقداته لا على أحكامه:
وخلاصة ما قال في محاضرته أنَّ حقانية دين وبطلانه تتوقف على حقانية معتقداته وبطلانها ، ولا دخلَ للأحكام في حقانيته وبطلانه ؛ لأنَّ الحاكم - نظرا إلى حكومته - حُرٌّ في إصدار كل نوع من الأحكام ، ولولم يكن حرا في ذلك أي إن لم يستطع أن يصدر كل نوع من الأحكام بالنسبة إلى رعيته ومحكوميه لكان محكومًا لاحاكما . وأما تخصيص الأحكام السيئة فنظرًا إلى العدل والنصفة والرأْفة والرحمة والتؤدة والحكومة ، لا إلى الحكومة.
أساس المعبودية:
إنَّ أساس المعبودية على الحكومة فحسب ، والعبادة عبارة عن الطاعة والخضوع القلبي ، إذا اعتقد المطيع والخاضع صاحبَه - الذي يطيعه ويخضع له - حُرَّ التصرف في أوسع معناه واعتقد غيره مكتوف اليد عاجزًا . وهذه هي الحكومة ؛ فأساس معبودية المعبود الحقيقي على الحكومة العالية التي يتمتع بها والتي يُوْصَفُ بها أحكم الحاكمين ، إذًا فتحقيق حكمٍ من أحكامه أهو صحيح أم خاطِئ ينافي إخلاص العبادة ، وإن لم يكن حكم من أحكامه يضادُّ الرأفة والحكمة والصفات التي أشرنا إليها من قبل .
إن كان لابدَّ من تحقيق الحكم فالتحقيق بأنَّ هذا الحكم هو حكم الله تعالى أم لا ؟ أي التحقيق بأن الذي ادَّعى النبوة والرسالة والذي وصل إلينا عن طريقه هذا الحكم أهو كريم الأخلاق وجميل الصفات وذو معجزاتٍ خارقة أم لا ؟ ثم إننا إن لم نزره عندما بلَّغ رسالة الله وأحكامه فلابدَّ من تحقيق ذلك الطريق الذي وصل إلينا عنه أحكامه أهو طريق موثوق به أم لا ؟.
على أنَّ الأحكام كثيرة ، وتحقيق كل حكم يتطلب أمدًا طويلًا ، وذلك لايمكن في غضون خمس عشرة دقيقة ، فلو حصرنا حقانية دينٍ على المعتقدات لكان الأمر أسهل ؛ لأنَّ العقيدة نوع من الخبر فإن كانت صحيحةً فذلك يعني أنَّ الخبر مطابق للواقع ، وإن كانت باطلة فذلك يعني أنَّ الخبر كاذب ، فإن سلَّمنا بحكومة الله وكونه أحكم الحاكمين وما تستلزمه حكومته لزم أن نُسَلِّمَ بأنه معبود ، وإلا لا يُسَلَّمُ بكونه معبودًا ، فيطيعه النَّاس . ثم إنَّ المعتقدات الضرورية قليلة معدودة على الأصابع لايتطلب تحقيقها صعوبة ولا مدة طويلة .
الإسلام أفضل الأديان:
فإذا تأملنا في الأديان من الناحية العقدية وجدنا الإسلام أفضلها وأحسنها ؛ فأول عقيدة يعتقدها المسلمون ويبتني عليها أساس الإسلام هي"لا إله إلا الله محمد رسول الله".
التوحيد في كل دين من الأديان:
فالتوحيد التي تُعَبِّر عنه الفقرة الأولى من الكلمة لايجحد به أتباع دينٍ من الأديان ، فمعظم الجاحدين بالتوحيد هم المشركون ، وهم ثلاث فرق: الفرقة الأولى عرب الجاهلية ، والفرقة الثانية: الهندوس في بلاد الهند ، والفرقة الثالثة: النصارى. أما عرب الجاهلية فهم على إشراكهم بالله وعبادتهم للآلهة كانوا يرون الله خالق الأرض والسموات ، فقد قال القرآن عن شأنهم:"ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماوَاْتِ والأَرْضَ لَيَقُوْلُنَّ اللهُ".
أما الهندوس فهم على كونهم عُبَّادَ الرسل والآلهة يرون الخالق والمحيي واحدًا . وأما النصارى فهم - وإن كانوا أشدَّ إشراكًا بالله لأن المشركين يشركون بالله في الصفات وأما النصارى فهم يشركون به في الذات - يقولون بالتوحيد بأنّ الآلهة في الحقيقة ثلاثة عندهم فهم واحد في الحقيقة.
خلاصة القول أنهم اعتقدوا أمرًا محالًا وهو الوحدة الحقيقية والكثرة الحقيقية . ومع ذلك كله قالوا بالتوحيد . فعُلِمَ أنَّ التوحيد لامحيد عنه لدين من الأديان . فلما كان أساس الأسس في كل دين من الأديان هو التوحيد فما خالفَ التوحيد كان بدوره باطلًا ، وهو الإشراك بالله وعبادة الآلهة .
التوحيد في ضوء العقل:
على أنَّ العقل السليم يَدُلُّ على أنَّ المعبود الحقيقي واحد ؛ ذلك أنَّ العالم بأسره يشمله الوجود، فكلمة"الموجود"تطلق على كل شيء ، ويُسَمَّى وجود كل شيء وجودًا لاغير .