فهرس الكتاب

الصفحة 22753 من 27345

ثم إنَّ معظم موجودات العالم حادثة لاقديمة ، لم تكن موجودةً في زمن من الأزمان ثم وُجِدَتْ ، ثم تنعدم ؛ فعُلِمَ أنَّ وجود الأشياء كحرارة الماء والنور المنتشر على الأرض ، أي إنَّ الماء كان باردًا والأرض كانت مظلمة ، ثم صار الماء حارًا والأرض متنوِّرة ، ثم يصير الماء باردًا والأرض مظلمة . فكما أنَّ كل واحد من الناس يعرف من مجيئ الحرارة والنور وذهابهما أنهما ليس للماء والأرض من صنع ذاتهما ، وإنما هما مستعاران ، فتوصلنا من ذلك إلى النار والشمس . فكذلك يُعْرَفُ من مجيئ وجود الأشياء الحادثة وذهابه أن وجودها ليس من صنع ذاتها ، وإنما هو مستعار من الذي هو له من صنع ذاته لامستعار له .

أما الموجودات التي تدوم على حالٍ واحدةٍ والتي لم يُشَاهِد أحد من الناس عدمها كالأرض، والسماء ، والشمس، والقمر والكواكب. فيما يبدو أنه ليس لها معطٍ للوجود . فإذا أمعنا النظر وجدنا أنها حادثة كذلك ، وذلك أنَّ هذه الأشياء تشترك في الوجود وتتمايز بالحقائق ، ولولا ذلك لما أمكن لتمييز ؛ فلزِم الاعتراف بأن وجود هذه الأشياء شيء وحقائقها شيء آخر، فكما أنّ اجتماع شيئين ممكن فكذلك افتراقهما ممكن ، فلما أمكن الافتراق لزِمَ القول بأن وجودها مستعار كذلك .

ما هو اللّه ؟:

ولما كان الشيءُ المُعَارُ يجب أن يكون مُعِيْرُه من يملكه بالذات وجَبَ أن يكون للوجودٍ المُعَارِ مُعِيْرٌ، أي وجَبَ أن يكون للوجود موصوف بالوجود بالذات ، وذلك هو الله الصمد الغني الذي يحتاج إليه الناس وهو لايحتاج إليهم .

وحدانية اللّه تعالى:

ثم إنَّ هذا النوع من الموجود واحد لاغير ، وذلك أنه لما اعتبرنا الوجود وحدةً - كما تقدَّم - كان الموجود الأصلي - الذي له الوجود من صنع ذاته - واحدا .

على أنه ليس شيء أعمَّ من الوجود ، فلزِمَ الاعتراف بأنَّ الوجود شيء لا متناهٍ ، فإن كان متناهيًا وجب القول بشيء فوقه ، وكان متناهيًا بالنسبة إليه وكان هو أعمَّ منه .

ولما كان الوجود متناهيًا فذلك يعني أنَّ الوجود يحيط بجميع مواضعه فإن كان هناك وجود آخر فأين موضعه ؟ وليس من الممكن ان يتحدا وينضما و يصيرا شديدين شدةَ النور المشَعّ من مصباحين ؛ لأنه ليس شيء أكثر اتصافًا بالصفة من الموصوف الأصلي ، وليست صفة أشدّ وأزيد من الصفة الأصلية لاسيما الوجود الأصلي ؛ لأنه ليس فوقه مرتبة ؛ ولذلك كان لا متناهيًا ، وإلا كان متناهيًا ، أما صيرورته أزيد وأشد فنهاية كذلك .

إنَّ الشرك لظلمٌ عظيم:

وجملة القول أنه وجب الاعتراف بوحدانية الله تعالى بالدليل العقلي ، ولما دلَّ الدليل العقلي والنقلي على أنَّ الله واحد لاشريك له ، كانَ عبادة غيره ظلمًا عظيمًا ، لأنه لايستحق العبادة إلا الله .

وبيان هذا الإجمال أنه لما كان الوجود يملكه الله تعالى بالذات كان إعطاء الوجود وسلبه منه ، فكما أنَّ الشمس تعطي نورها الأرض وتسلبه إياها فكذلك الله تعالى يعطي الوجود ويسلبه ، فوجود كل شيء: ذاته وصفاته كان منه ، وعدمه: سلب الوجود كان منه كذلك .

عاملان أساسيان للطاعة:

ثم إنَّ الطاعة لها عاملان أحدهما: الأمل في النفع وثانيهما: الخوف من الضرر . فالموظف يخدم سيده أملًا في راتبه ، والرعية تطيع حاكمها أو المظلوم يخضع لظالمه خوفًا من ضرره . ولما كان الله تعالى يملك العطاء والسلب والنفع والضرر فمن يُطَاعُ غيره ولماذا ؟ ومن يملك النفع والضرر غيره ؟ وإنما يملك النفع والضرر من له الوجود من صنع ذاته . وأما طاعة ممثليه ومبلغي أحكامه فطاعته هو، وهم رسله وإنما الأحكام أحكام الله .

لن يكون إنسان الهًا:

إذًا فعبادة غير الله كما يعبد الهندوس والنصارى تعارض العقل والنقل . ولايستحق العبادة إلا الله ، فاعتقاد سيدنا عيسى عليه السلام والسيد راما والسيد كرشنا آلهة مما يعارض العقل كذلك من حيث أنهم محتاجون إلى الطعام والشراب ومكرهون بالدواعي الطبيعية من البول والبراز والمرض والصحة . وإنما الاله هو الغني الصمد . والذي يحتاج ويُكْرَه بمثل هذه الأشياء من البول والبراز لن يكون الهًا .

اعتراض الأسقف"نولس":

على هذا فقامَ الأسقف"نولس"أثناء محاضرة الشيخ وقال له:"لاتقل كلمة البول والبراز"فقال له الشيخ: لعلك شعرت بالإهانة إلى سيدنا عيسى عليه السلام"لوكانت الكلمة توحي إلى الإهانة لما قلت ؛ لأنَّ إهانة سيدنا عيسى عليه السلام عندنا كإهانة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم توجب الكفر والردة ."

محاضرة الشيخ الباقية:

جملة القول أنَّ الشيخ قال: من كان محتاجًا ومكرهًا هذا الإكراهَ فكيف ألوهيته ؟ فقول النصارى بأنَّ الله ثلاثة في واحد باطل بيّنُ البطلان ، لايستسيغه عقل عاقلٍ ، حتى النصارى هم الآخرون يذهبون من الوجهة العقلية مذهبَ الآخرين ، فيقولون: إنَّ التثليث سر من أسرار الله لاتدركه عقولنا الناقصة .

الحاجة إلى الرسالة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت