فلما علمنا أنه لايستحق العبادة إلا الله فاعلموا أنَّ العبادة عبارة عن الطاعة ، والطاعة هي العمل بما يرضي غيره ، وأما رضا الغير وعدم رضاه فلا يمكن معرفتهما إلا أن يُخْبِرَبهما ، فإن لم يُخْبِرْبهما فليس إلى معرفتهما من سبيل . ونحن أولو أجسامٍ وذواتٍ كثيفة لايمكن لأحد أن يعرف ما في ضمائرنا وما نرضاه وما لا نرضاه مالم نحبره ، مهما وضعنا الصدر على الصدر أو كشفنا عن القلب ، فكيف يمكن لأحد أن يعرف ما يرضاه الله اللطيف الخبير وما لا يرضاه .
فطاعة الله تتطلب أن يخبر هو بأحكامه ، والعقل الضعيف لايدركها ؛ فإن عرف واحد أو إثنان من الآلاف المؤلفة من الناس حُسْنَ أو قُبْحَ أمرٍ أو أمرين من أوامره فذلك لايُغْني شيئًا ؛ لأنه ليس يُسْتَبْعَد من الله وهو الحاكم المطلق أن يتقيَّد في إصدار أوامره بالحسن والقبح ، فإن تقيَّد بشيء لأجل الاضطرار كان محكومًا لاحاكمًا ، والمحكوم لن يكون الها . فإن لم يكن مضطرًا ومكرهًا كان حرَّ التصرف في تغيير أحكامه وأوامره ، فلا يكون متقيدًا بالحسن والقبح .
فلا بدَّ من انتظار أمر من الله في باب الأحكام، إلا أنَّ ملوك الدنيا لايبلِّغون بأنفسهم بأحكامهم كلَّ واحد من النّاس ، فالله تعالى الذي هو أحكم الحاكمين والذي تتضاءل دون حكومته حكومات ملوك الدنيا كيف يبلِّغ أحكامه كلَّ من هبَّ ودبَّ من الناس ؟ فكما أنَّ ملوك الدنيا يستخدمون رجالهم ومقربيهم لتبليغ أحكامهم فكذلك الله تعالى يُبلِّغ أحكامه عن طريق رسله ومقربيه .
التقرب إلى اللّه:
وكما أنَّ المقربين إلى ملوك الدنيا هم الذين يُرضُوْنهم وينصحونهم ولايعصون لهم أمرا ، وإلا لماكانوا مقربين ، وإنما كانوا مغضوبًا عليهم ، كذلك المقربون إلى الله يطيعونه كل الطاعة ولايعصون له أمرًا .
الأنبياء لايُعْزَلون عن مناصبهم:
إنما الفرق بين الله وبين ملوك الدنيا أنهم قد يخطئون في معرفة الناصح من المنافق والمطيع من العاصي ؛ فيولون المنصبَ أحيانًا ويعزلون عنه أحيانًا أخرى ، ويرحمون مرة ويغضبون أخرى . والله تعالى وهو العليم الخبير لايخطئ في المعرفة وإلا لزِم القول - إيضاحًا للحقيقة - بأنَّ علمه كنور القمر والكواكب لايُرى به - لضآلته - الأشياء والفروق الدقيقة ، ومن كان وجوده كاملًا ليست له صفةٌ ناقصةٌ ، وإلا كان وجوده ناقصًا ، ولما كان علمه كاملا وكان لايمكن الخطأ في معرفة المطيع من العاصي فمن جعلهم من مقربيه كان طرده إياهم من الجناب وعزلهم من المناصب مضادًا للعقل .
عصمة الأنبياء:
وخلاصة القول أن الأنبياء ليس فيهم صفة لاترضاها الله ، فكانوا مرضيّ الأخلاق جميل الصفات ، فلزِمَ القول بعصمتهم لأنهم لما أعوزتهم الصفات السيئة وتحلَّوا بالقوى والصفات الجميلة فلا تصدر عنهم الأعمال السيئة ؛ لأنّ صدور كل عمل يقتضي قوةً وصفةً ، فالرؤية تقتضي القوة الباصرة ، والسمع يقتضي القوة السامعة فكذلك الأعمال الصالحة تتطلب الصفة الجميلة ، والأعمال السيئة تتطلب الصفة السيئة ، فلما كانوا مبرَّئين من الصفات السيئة كانوا معصومين عن الأعمال السيئة.
شفاعة الأنبياء:
فلما كانوا طوع أمر الله ومحكومين له فلايكون لهم امتيازات وسلطات بأن يغفروا أحدًا ويعذبوا آخر؛ فلو تمتعوا بهذه الامتيازات كانوا حاكمين لامحكومين ، نعم يمكن لهم أن يدعوا لأحد أو يدعوا عليه أو يقولوا خيرا في شأن أحد أو يقولوا كلمة سيئة في شأن آخر، إلا أنهم لما كانوا مقدسين ومعصومين ، يبذلون النصح لناصحيهم ولا يضمرون لهم العدواة والنفاق، ويقولون خيرًا لا كلمة سيئة في شأنهم ، وهذا ما يُسَمَّى بالشفاعة .
عقيدة التكفير عند النصارى:
وجملة القول أنَّ شفاعة الرسل عليهم السلام أمر ممكن ، وأما تكفير سيدنا عيسى عليه السلام عن أمته فلايمكن ، أي ما يعتقده النصارى من أن عيسى عليه السلام لُعِنَ عن أمته وعُذِّبَ في جهنم ثلاثة أيام عوضًا عنهم يعارض العقل كلَّ المعارضة؛ لأنَّ لكل شيء سببًا: ففي المحبوب سبب للمحبة، وفي العدو سبب للعداوة ، وفي المرحوم سبب للرحمة، وفي الملعون سبب للعنة . وليس من الممكن أن يكون رجل حسن الوجه ويُحَبَّ غيره، ويطيع رجل ويُرْحَم آخر، وأن يكون رجل قبيحَ المنظر ويُكْرَه من كان قسيمًا وسيمًا ، ويعصي رجل ويغضب على من كان بارًا مطيعًا ؛ فنحن المسلمين نعتقد أنّه لاتزر وازرة وزر أخرى .