فهرس الكتاب

الصفحة 4045 من 27345

الكاتب: الشيخ د.علي بن عمر بادحدح

الإسلام السياسي مصطلح متأخر النشأة حديث الرواج ، ظهر متزامنًا مع تنامي الصحوة الإسلامية وعمق الوعي لدى العاملين للإسلام ، وتأكيدهم على شموليته ، ودعوتهم إلى استئناف الحياة الإسلامية في ظل حكم الشريعة ، ومطالبتهم باسترجاع دور القيادة للدين في حياة الأمة، وللأمة المسلمة بين سائر الأمم ولم يكن حملة هذا الطرح شيوخ العلم وخطباء المنابر فحسب بل كان منهم أطباء مشهورون ، ومهندسون بارعون ، واقتصاديون بارزون ، وأساتذة جامعات ، ولم يكن ذلك كله بعيدًا عن دوائر الرأي في الشرق والغرب ، ومن ثم دقت نواقيس الخطر ، وانطلقت أبواق الدعاية الكاذبة ، وتحركت وسائل الإعلام المضللة ، وكان من نتاجها هذه المصطلحات"الإسلام السياسي""والإسلام الثوري""والأصولية الإسلامية"وأُلصقت بهذه المصطلحات مفردات العنف والإرهاب والدموية ونحو ذلك ، وتلقفتها كثير من وسائل الإعلام في بلاد المسلمين وصارت ترددها كصدى للوسائل الأم الكبرى وحمل هذا الفكر المنحرف من دين الأمة وثوابتها، المخالف لهويتها ومصالحها ، أقوام من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا وساروا في الركاب بل ربما فاق بعضهم أسيادهم وقدواتهم .

ومصطلح"الإسلام السياسي"يقصد به الإسلام الفاعل المؤثر الذي يهدف إلى أن يكون الحكم لله والسيادة للشرع وأن تنضوي الحياة تحت لواء الإسلام بكل ما فيها من سياسة واقتصاد واجتماع وقضاء وتقنية ،والمصطلح من جهة أخرى يتداوله غير المسلمين والعلمانيون على سبيل النقد والذم ، فهم يصورونه انحرافًا عن الإسلام الصحيح ، وتحريفًا له ، وضلالًا في فهمه ، واستغلالًا لعظمته ، وتشويهًا لصورته ، كما يصورون معتنقيه والداعين إليه بأنهم من ذوي المصالح والمطامع ، أو من ذوي الجهل والسذاجة ، وفي كل الأحوال فإنهم يمثلون حالة من الشذوذ غير المقبول .

وأحب أن أزيد توضيح المفهوم الذي يتداوله القوم بشأن"الإسلام السياسي"بما يتضمنه من الدعوة لتحكيم الشريعة وذلك من خلال أقوالهم .

1-الإسلام السياسي ،يقول المستشار محمد العشماوي:"إن تسييس الدين أو تديين السياسة لا يكون إلا عملًا من أعمال الفجار ، أو عملًا من أعمال الجهال غير المبصرين لأنه يضع للانتهازية عنوانًا من الدين ، ويقدم للظلم تبريرًا من الآيات ، ويعطي للجشع أسماء من الشريعة ويضفي على الانحراف هالة من الإيمان ، ويجعل سفك الدماء ظلمًا وعدوانًا عملًا من أعمال الجهاد".ويقول فرج فوده في الحقيقة الغائبة:"هذا حديث دنيا وإن بدا لك في ظاهره حديث دين أمر سياسة وحكم وإن صوروه لك على أنه أمر عقيدة وإيمان ، وحديث شعارات تنطلي على البسطاء ويصدقها الأنقياء ويعتنقها الأتقياء ويتبعون في سبيلها من يدعون الورع وهم الأذكياء ، ومن يعلنون بلا مواربة أنهم أمراء ، ويستهدفون الحكم لا الآخرة ، والسلطة لا الجنة ، والدنيا لا الدين ، ويتعسفون في كلام الله عن غرور في النفوس ، ويتأولون الأحاديث على هواهم لمرض في القلوب ، ويهيمون في كل واد ، إن كان تكفيرًا فأهلًا ، وإن كان تدميرًا فسهلًا" ( ص 11، 12 ) .

2-إنكار أن يكون للإسلام أي صلة بالسياسة ، أو أي إشارة إلى نظام للحكم أو شكل للدولة ، والعجيب أن القوم ينصبون أنفسهم أئمة ومفتين ويجزمون جزمًا جريئًا بذلك فهذا المستشار العشماوي يقول:"القرآن الكريم لم يتضمن آية تتعلق بالحكم السياسي أو تحدد نظامه ، ولم تتضمن الأحاديث الشريفة أي حديث في هذا الصدد" ( ص 158) ثم يواصل الاطلاقات والتعميمات فيقول"وجمهرة الفقهاء الإسلاميين متفقون على أن نظام الحكم في الإسلام ليس من أصول الدين أو الشريعة". والدكتور فرج فوده يقول بوضوح خطير:"إن الإسلام دين وليس دولة ، وإن الدولة الإسلامية على مدى التاريخ الإسلامي كله كانت عبئًا على الإسلام وانتقاصًا منه وليست له" ( تهافت العلمانية ص16 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت