3-الالتباس أو التلبيس الخطير في مفهوم الدولة الإسلامية بأنها دولة دينية بمعنى أنها حكومة الله ، تجعل الحاكم لا يُسأل عما يفعل ، ولا يراجع فيما يأمر به ، ونحو ذلك فهي طريق للاستبداد المطلق"فالطاغية عندما يتمنطق بالدين أو يتمسح بالشريعة يجعل من نفسه وكيلًا عن الذات الإلهية ، ومتصرفًا باسم القوى الكونية ومتحدثًا بلسان الوحي ، ومتحكما ًفي تفسير النصوص ، ووصيًا على عقول الناس ، ورقيبًا على جميع الإرادات ، ومتسلطًا على رقاب العباد ، وفي مثل هذه الحالة تصبح المصالح الشخصية أهدافًا للدين وتصير الأغراض الخاصة غاية للشريعة" ( الإسلام السياسي ، ص 24 ) والدكتور فؤاد زكريا يعتبر ذلك الحكم هو الأخطر حيث يقول:"أقبح أنواع الخطأ هو الخطأ الذي ينبثق من تحت عباءة الحكم الديني ويرتكبه حكام يتصورون أن أهواءهم ومصالحهم الضيقة تجسيد للإرادة الإلهية ويوهمون الناس أن كل ما يفعلونه مستلهم من وحي الشرع الإلهي الذي يحكمون بمقتضاه" ( الوهم والحقيقة لفؤاد زكريا ، بتصرف من تهافت العلمانية ص 38 )
4-القول بأن أحكام الشريعة الإسلامية غير صالحة لحكم الحياة المعاصرة بما فيها من مستجدات ومتغيرات ، ففؤاد زكريا يقول:"يجب أن نكتب بوضوح مثلًا في صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان .. أي أن نقول أنه ليس هناك في أمور البشر قاعدة من هذا النوع"، ومحمد نور فرحات يقول:"أحد المرتكزات الرئيسة للتأثير في الأغلبية الصامتة هو ضرب المرتكزات الأساسية التي تنطلق منها هذه الاتجاهات الدينية ، وأهم هذه المرتكزات قولهم:"إن هناك نصوصًا ثابتة صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان" ( تهافت العلمانية ص 20 ) وهناك أمور أخرى منها نظرهم إلى التشريع الجنائي ونظام العقوبات على أنه قسوة لا تتناسب مع الإنسانية ومراعاة حقوق الإنسان ، وأخطر من ذلك دعواهم أن التاريخ الإسلامي كله ليس فيه مثل يُحتذى للدولة الإسلامية ويستثنون فترة حكم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه نبي مسدد بالوحي ، وفترة عمر لأنه ملهم محدث ، وكثيرًا ما يُثيرون البلبلة بأن دعوى الدولة الإسلامية لا تقبل لأنها ليس لها برامج علمية أو خطط محدودة قابلة للتطبيق والمناقشة ."
وليس المجال مجال تفنيد لهذه الدعاوى فمثل هذا لا يتاح في كتابة صحفية ولكنني على ثقة أن الناظر إلى هذه الدعاوى يرى شططها الكبير ، ومبالغاتها غير الواقعية وبعدها العظيم عن أبسط حقائق الإسلام .
فكيف يُقال إن تحكيم الإسلام وتطبيق الشريعة سبب الظلم والفساد ، والإسلام يربي على التقوى ، ويقيم العدل ، ويحث على الخير ، وأين هذا من صفحات كثيرة مشرقة من تاريخ الإسلام ليست في فترة الخلفاء الراشدين فحسب ، ولا في خلافة عمر بن عبدالعزيز فقط بل في عهود كثيرة كحكم نور الدين زنكي ، وصلاح الدين الأيوبي ،وغيرهم كثيرون .
وأي مغالطة تلك التي تدعي أن الإسلام ليس فيها آية ولا حديث تتعلق بالحكم ونظام الدولة وماذا نقول في كتب المتقدمين كـ"الأحكام السلطانية"لأبي يعلى الفراء والماوردي ،و"السياسة الشرعية"لابن تيمية ، و"الطرق الحكمية"لابن القيم ، و"الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام في تصرفات القاضي والإمام"للقرافي ، وأين نذهب بالدراسات الحديثة التي رسمت ملامح نظام إسلامي متكامل في الحكم والسياسة مع التوضيح والمقارنة من أنظمة الحكم وأشكال الدولة في العصر الحديث ، مثل كتاب"نظام الحكومة النبوية"للكتاني ، و"نظام الحكم والسياسة في الإسلام"للقاسمي ، و"الخلافة والإمامة العظمى"لمحمد رشيد رضا ، و"نظام الحكم الإسلامي مقارنًا بالنظم المعاصرة"لمحمد حلمي ، و"الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي"لمنير البياتي ، وغيرها ..
فهل هؤلاء جهلاء أم متجاهلون عندما يقررون أن الإسلام لا صلة له بالسياسة ؟
وأود أن أُشير أن كل هذه الدعاوى والشبهات دحضت بالأدلة الشرعية والمقارنة الواقعية ، والوقائع التاريخية ، وذلك من خلال دراسات علمية مستفيضة ، بل ورسائل علمية جامعية أوضحت ما هو أبعد من مجرد نقد هذه الشبهات . لقد ظهرت دراسات تبرز جوانب أخرى كالمعارضة في الإسلام والاستفتاء الشعبي وأحكامه .
والحق أن هذا كله لا يحظى عند جمهور المسلمين بالقبول ، وواقع الحال يكشف أن كثيرًا من المسلمين يعتقدون أن من صميم الإيمان تحكيم شرع الله وأن الإسلام شامل لكل جوانب الحياة ، والمسلمون يتوقون إلى أن تظللهم أحكام الشريعة لتحقق لهم السكينة والأمن ، وينعموا بالمساواة والعدل ، وتلك الشبهات أصبحت أثرًا بعد عين ، وتجاوزتها المرحلة ، ودحضتها الدراسات الجادة الموضوعية .
وأما ما يلصق بهذا المصطلح من مفردات العنف والإرهاب فلم يعد يخفى على أحد المغالطات الدولية في هذا الشأن ، والكيل بمكيالين ، والكذب والتلاعب بالألفاظ على حد قول القائل:
قتل امرئ في غابة *** جريمة لا تُغتفر
وقتل شعب كامل *** مسألة فيها نظر