فهرس الكتاب

الصفحة 21754 من 27345

يتناول الدرس التغيير الذي يفعله الإسلام بالنفوس ورفعه لاهتماماتهم وهممهم، وهذا الفرد المسلم الذي يسمو بالإسلام عليه واجبات ومسئولية تجاه نفسه ودينه ومجتمعه وقضايا المسلمين وتفاعله معها، ومن هنا كانت الدعوة للمشاركة الفعلية الجادة في نصرة هذا الدين .

الحمد لله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه, بعثه الله تعالى على حين فترةٍ من الرسل، وانقطاعٍ من السبل؛ فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وجمع به بعد الفرقة، وأغنى به بعد العيلة, فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى صحبه والتابعين الأبرار الأطهار .. أما بعد،،،

فإن الله أنعم على هذه الأمة ببعثة خاتم الرسل، فجعلها خاتم الأمم كما كان نبيها خاتم الرسل عليه.. بعث الله هذا النبي المختار في أمة كان كل همها وشغلها تتبع أصول أذناب الإبل في هذه الصحراء القاحلة, وكانت تركض وراء اليرابيع و الضببة تأكل منها، وتشرب من ماء هذه الصحراء، ثم لا هم لها بعد ذلك غير ذلك أبدًا .

فصاح فيها النبي صلى الله عليه وسلم بنداء 'لا إله إلا الله محمد رسول الله' فرفعت إليه رءوسها، وفتحت له عيونها، وأصاخت له آذانها؛ فاهتدت بهداه؛ فكانت بذلك خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، وتجاهد في سبيله, فخرجت من هذه الصحراء القاحلة لتقول لأساتذة المدنية، وشيوخ الحضارة في فارس والروم:

'جئناكم لنخرج من شاء الله تعالى من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة العيش، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام'.

هذا النبي الذي بُعث في هذه الأمة كان من أعظم ما أهدى لها هداية السماء، ونور التوحيد الذي عرف به الإنسان معنى إنسانيته وكرامته . ذلك الإنسان الذي لم يكن له معنى في الجاهلية، وكان يرضى أن يطأطيء رأسه لإله من حجرٍ، أو شجرٍ، أو صنمٍ، فيعبد اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.

بعث إليه صلى الله عليه وسلم؛ ليعلمه أن: لا إله إلا الله، وأنه لا يجوز أن يطأطيء رأسه إلا لله عز وجل، فلا يسجد لغيره، ولا يعبد سواه، مخلصًا له الدين ولو كره الكافرون؛ فنفخ فيه روح العزة، ومعنى الحمية، وسر الشجاعة والإنسانية، حتى علّم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الإنسان الأعزل الفقير علمه ألا يذل ويخضع لشيء من متاع الدنيا، وكيف يذل لغير الله عز وجل!

تأبى عقيدتنا، تأبى أصالتنا أن يصبح العُرب أشتاتًا وقطعانًا

فلا لشرقٍ ولا غربٍ نطأطئها بل ترفض الجبهة الشماء إذعانًا

فأصبح هذا الأعرابي الذي كان يركض وراء إبله وغنمه، وكل همه من الدنيا ملبس، أو مطعم، أو مشرب, أصبح هذا الإنسان عزيزًا مرفوع الهامة، لا يذل لغير الله عز وجل، وليس لديه أي استعداد أن يهادن، أو يداهن في دين الله عز وجل, حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في ضمن دروس العزة والكرامة التي ألقاها على هذه الأمة العظيمة:' مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ' رواه الترمذي- وأصله في البخاري ومسلم- .

فعلَّم النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان أن يكون أبيًا، رفيعًا، قويًا، عزيزًا، منيعًا، وألا يكون همه هذه الحياة الدنيا .

لابد أن يكون للإنسان سرٌ وراء هذه الحياة، ومعنىً فوق هذه الدنيا، وألا يكون الإنسان ترابًا فحسب، بل هو حفنة من التراب عانقت هدي السماء؛ فارتفعت، وسمت، وشمخت، فأصبحت أعظم من كل معاني البشرية؛ لأنها ارتبطت بهدي الله، ونور الوحي النازل من السماء, فأصبح الإنسان بذلك عزيزًا، مرفوع الهامة، شامخ الأنف، لا يذل لغير الله طرفة أو لحظة . O:P>

لم يسمح النبي صلى الله عليه وسلم للقبيلة أن تهدر قيمة الفرد كما لم يسمح للفرد أن يعتدي على كرامة القبيلة،

أو المجتمع، أو الدولة بل جعل هذه الأشياء كلها تسير جنبًا إلى جنب، فلا قيمة لقبيلة أفرادها مجموعة من الضعفاء، والأتباع المقهورين الأذلاء، الذين لا يرون لأنفسهم قيمة ولا كرامة, ولا قيمة لفردٍ لا ينتسب لذلك المجتمع الإسلامي الكبير، الذي يتعاون أفراده على البر والتقوى، ولا يتعاونون على الإثم والعدوان .

مسئولية الفرد المسلم:

لقد جاء الإسلام الذي يحمّل الإنسان -كل إنسان- مسئوليته على كافة المستويات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يخاطب الفرد؛ ليحمّله مسئوليته على كافة الأصعدة:

مسئوليته في تعلم العلم الشرعي أصولًا وفروعًا عقيدة وأحكامًا: فلا يكون الإنسان مقلدًا أو تابعًا، رضي أن يهدر عقله وفهمه، ويهدر إدراكه، ليكونَ تابعًا ومقلدًا لفلان وفلانٍ، دون حجة، ولا هدى، ولا كتاب منير، بل إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت