فهرس الكتاب

الصفحة 12617 من 27345

تأملات تربوية في سورة النمل

سيدنا سليمان عليه السلام ( 1)

د.عثمان قدري مكانسي

1-العلم مفتاح الخير:

آتى الله تعالى داوود وابنه سليمان علمًا ، والعلم الحق يوصِل إلى معرفة الله تعالى المعرفة التي تجعل صاحبها يؤمن به ويجلّه تعظيمًا وحبًا وخشية"إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ"و من جهل الحقيقة لم يحفل بها، ولم يعِرْها ما تستحق من جلال المقام .. أما داوود وسليمان فإنهما حين أكرمهما الله بالنبوّة وفضلهما"ولقد آتينا داوود وسليمان علمًا"أقرّا بفضله تعالى وحمداه على ذلك"وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين".

فالعلم شرف ، محله منيف ، وأهله وحَمَلتُه متقدمون . وهو من أجلّ النعم وأجزل القِسَم ، ومن أوتيَه فقد تقدم على كثير من عباد الله المؤمنين . والبون شاسع بين الجاهل والعالم ، ذاك يتخبط في جهله في ليل مظلم ، وهذا يسير في أضواء المعرفة وسبل الهداية ، فلا يستويان"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ إنما يتذكر أولو الألباب""قل هل يستوي الأعمى والبصير؟ أفلا تتفكرون"! وقال الشاعر في الحث على العلم:

تعلّم ، فليس المرء يولد عالمًا وليس سواءً عالمٌ وجهولُ

2-التحدّث بالنعمة:

وقد عُلّم النبيّان الكريمان منطق الطير"وقال- سليمان عليه السلام - يا أيها الناس عُلِّمْنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ، إن هذا لهو الفضل المبين"قال تعالى مخاطبًا نبيه الكريم محمدًا عليه الصلاة والسلام"في وجوب التحدث بنعمة الله"وأما بنعمة ربك فحدث"ولا يكون الحديث بالمفاخرة والتعاظم ، إنما بالعمل الصالح ، وخدمة العباد ، والسهر على راحتهم . والإقرار بفضل الله عملًا وقولًا ، وإن مساعدة الآخرين وقضاء حوائجهم والسير فيها من التحدث بنعمة الله ."

ولم يبلغ أحد من الأنبياء ما بلغ ملكه ، فإن الله تعالى سخّر له الإنس والجن والطير والوحش وآتاه ما لم يؤتِ أحدًا من العالمين .

يقول القرطبي في في تفسير هذه الآية:

"قوله تعالى:"وقال يا أيها الناس"أي قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله"علمنا منطق الطير"فتفضل الله علينا على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض في أنْ فهّمَنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها. قال مقاتل في الآية:"

كان سليمان جالسا ذات يوم إذ مر به طائر يطوف، فقال لجلسائه: أتدرون ما يقول هذا الطائر؟ إنها قالت لي: السلام عليك أيها الملك المسلط والنبي لبني إسرائيل! أعطاك الله الكرامة، وأظهرك على عدوك، إني منطلق إلى أفراخي ثم أمر بك الثانية؛ وإنه- الطائر - سيرجع إلينا الثانية ثم رجع؛ فقال إنه يقول: السلام عليك أيها الملك المسلط ، إن شئت أن تأذن لي كيما أكتسب على أفراخي حتى يشبوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت. فأخبرهم سليمان بما قال؛ وأذن له فانطلق.

وقال فرقد السبخي: مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا لا يا نبي الله. قال إنه يقول: أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء.

ومر بهدهد فوق شجرة وقد نصب له صبي فخا فقال له سليمان: احذر يا هدهدُ! فقال: يا نبي الله! هذا صبي لا عقل له فأنا أسخر به. ثم رجع سليمان فوجده قد وقع في حبالة الصبي وهو في يده، فقال: هدهدُ ما هذا؟ قال: ما رأيتها حتى وقعت فيها يا نبي الله. قال: ويحك! فأنت ترى الماء تحت الأرض أما ترى الفخ! قال: يا نبي الله إذا نزل القضاء عمي البصر.

وقال كعب. صاح ورشان- طائر يشبه الحمام - عند سليمان بن داود فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب.

وصاحت فاختة- وهي ضرب من الحمام المطوّق صوّيت - فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: ليت هذا الخلق لم يخلقوا ، وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا.

وصاح عنده طاوس، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: كما تدين تدان.

وصاح عنده هدهد فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: فإنه يقول: من لا يَرحم لا يُرحم. وصاح صُرَدٌ- طائر فوق العصفور ، كانت العرب تتطير منه - عنده، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين؛.. فمن ثَمّ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله. وقيل: إن الصرد هو الذي دل آدم على مكان البيت. وهو أول من صام؛ ولذلك يقال للصرد الصوّام؛ روي عن أبي هريرة.

وصاحت عنده طِيطوى - نوع من القطا طِوال الأرجل - فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: كلُّ حي ميت وكل جديد بال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت