فهرس الكتاب

الصفحة 25238 من 27345

الحمد لله العلي العظيم، واجب الوجود، الحي القيوم، الدائم الباقي، الملك المعبود، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد الرسول المطاع الأمين المبلغ عن الله دينه القويم بقواطع الآيات والبراهين، فلم يترك بابًا من أبواب الخير إلا أمر به ودل عليه، ولا باباُ من أبواب الشر إلا نهى عنه ، وحذر أن ينتمى إليه، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الكرام الذين لم يزالوا على المحجة البيضاء، فالسعيد من تبعهم من الأنام .

وبعد ، فهذه تعليقة لطيفة تشتمل على مسائل من أصول الدين ينتفع بها إن شاء الله كثير من المبتدئين والمتوسطين ، وهي على مذهب الإمام المبجل، والحبر المفضل، الإمام الرباني والصديق الثاني أبي عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل الشيباني، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة منقلبه ومثواه .

ورتبتها على مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة، أسأل الله حسنها وقبولها، وبالله أستعين.

المقدمة في معرفة الله تعالى

فنقول وبالله التوفيق: تجب معرفة الله تعالى شرعا بالنظر في الوجود والموجود، على كل مكلف قادر، وهو أول واجب له تعالى، وأول نعم الله الدينية، وأعظمها أن أقدره على معرفته، وأول نعم الله الدنيوية الحياة العرية عن ضرر.

وشكر المنعم واجب شرعا، وهو اعترافه بنعمته على جهة الخضوع والإذعان، وصرف كل نعمة في طاعته.

ويجب الجزم بأنه تعالى واحد أحد، فرد صمد، عالم بعلم، قادر بقدرة، مريد بإرادة، حي بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، وبأنه سبحانه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض، ولا تحكمه الحوادث، ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه، فمن اعتقد أو قال بأن الله تعالى في كل مكان أو في مكان فكافر ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه بائن من خلقه ، فالله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان ، وهو على ما عليه قبل خلق المكان .

وكل شيء سوى الله تعالى وصفاته حادث، والله سبحانه وتعالى خلقه وأوجده، وابتدأه من العدم وجميع أعمال العباد كسب لهم، وهي مخلوقة لله تعالى، خيرها وشرها، والعبد مختار ميسر في كسب الطاعة واكتساب المعصية ، ومشيئته وإرادته تعالى ليستا بمعنى محبته ورضاه وسخطه وبغضه فيحب ويرضى ما أمر به فقط وخلق كل شئ بمشيئته.

تتمة في حدي الإسلام والكفر:

الإسلام: الإتيان بالشهادتين مع اعتقادهما، والتزام بقية الأركان الخمسة إذا تعينت، وتصديق الرسول فيما جاء به.

والكفر: جحد ما لا يتم الإسلام بدونه ومن جحد ما لا يتم الإسلام بدونه أو جحد حكما ظاهرا أجمع على تحريمه أو حله إجماعا قطعيا، أو ثبت جزما كتحريم لحم الخنزير أو حل خبز ونحوها كفر. أو فعل كبيرة ، وهي مافيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، أو داوم على صغيرة ، وهي ماعدا ذلك فسق.

والإيمان: عقد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص هو وثوابه بالعصيان، ويقوى بالعلم، ويضعف بالجهل والغفلة والنسيان.

ويجوز الاستثناء فيه وقال ابن عقيل: ( يسن ) ، والمراد لا على الشك في الحال، بل في المآل أو في قبول بعض الأعمال ونحو ذلك.

الفصل الأول

مسألة العلو

فنقول وبالله التوفيق: مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، فيثبتون له ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات ، وينزهونه عما نزه عنه نفسه من مماثلة المخلوقات إثباتا بلا تمثيل ، وتنزيها بلا تعطيل ، قال تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } . وقوله: { ليس كمثله شيء } رد على الممثلة ، وقوله: { وهو السميع البصير } رد على المعطلة ، قال بعض العلماء: ( المعطل يعبد عدما والممثل يعبد صنما ، والموحد يعبد إلها واحدا صمدا ) .

وهو سبحانه قد قال في كتابه: { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير } .

وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال للجارية: ( أين الله ) ؟ قالت: في السماء . قال: ( من أنا ) ؟ قالت أنت رسول الله . قال: ( أعتقها فإنها مؤمنة ) . وهذا الحديث رواه مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ومسلم في صحيحه وغيرهم .

لكن ليس معنى ذلك أن الله في جوف السماء ، وأن السموات تحصره وتحويه ، فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها ، بل هم متفقون على أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته .

وقد قال مالك بن أنس: ( إن الله في السماء وعلمه في كل مكان ) .

وقالوا لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا ؟ قال: ( بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ) .

وقال أحمد بن حنبل كما قال هذا وهذا ، وقال الأوزاعي: ( كنا والتابعون متوافرين نقر بإن الله فوق عرشه ، بما وردت به السنة من صفاته ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت