فمن اعتقد أن الله في جوف السماء أو محصور محاط به ، أو إنه مفتقر إلى العرش أو غير العرش من المخلوقات ، أو أن استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على كرسيه فهو ضال مبتدع جاهل .
ومن اعتقد أنه ليس فوق السموات إله يعبد ، ولا على العرش رب يصلى له ويسجد ، وأن محمدا لم يعرج به إلى ربه ، ولا نزل القرآن من عنده فهو معطل فرعوني ضال مبتدع ، فإن فرعون كذب موسى في أن ربه فوق السموات ، وقال: { يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لاظنه كاذبا } .
ومحمد صلى الله عليه وسلم صدق موسى في أن ربه فوق السموات ، فلما كان ليلة المعراج ، وعرج به إلى الله تعالى ، وفرض ربه خمسين صلاة ، ذكر أنه رجع إلى موسى ، وأن موسى قال له أرجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ( الحديث ) فرجع إلى ربه فخفف عنه عشرا ، ثم رجع إلى موسى فأخبره بذلك ، فقال أرجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك ، وهذا الحديث في الصحاح ، فمن وافق فرعون وخالف موسى ومحمدا فهو ضال ، ومن مثل الله بخلقه فهو ضال .
قال نعيم بن حماد: ( من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس ما وصف الله به نفسه أو رسوله تشبيها ) والله قد فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا دعوا الله توجهت قلوبهم إلى العلو لا يقصدونه تحت أرجلهم ، ولهذا قال بعض العارفين: ( ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه قبل أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلو ولا يلتفت يمنة ولا يسرة ) .
الذات والصفات:
والكلام في هذا المقام وشبهه يتبن بذكر أصل أصيل ، وهو أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات ، فكما أنا نثبت له تعالى ذاتا لا تشبه الذوات ، فكذا نقول في صفاته إنها لا تشبه الصفات ، فليس كعلمه علم أحد ، ولا كقدرته قدرة أحد ، ولا كرحمته رحمة أحد ، ولا كاستوائه استواء أحد ، ولا كسمعه وبصره سمع ولا بصر ، ولا كتكليمه تكليم أحد ، ولا كتجليه تجلي أحد .
والله سبحانه قد أخبرنا أن في الجنة لحما ولبنا وعسلا وماء وسندسا وحريرا وذهبا ، وقد قال ابن عباس: ( ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء ) فإذا كانت المخلوقات الغائبة ليست مثل هذه المخلوقات المشاهدة مع اتفاقها في الأسماء ، فالخالق أعظم علوا ومباينة لخلقه عن مباينة المخلوق للمخلوق وإن اتفقت الأسماء .
والأصل في هذا الباب أن كلما ثبت في كتاب الله أو سنة رسوله ، وجب التصديق به ، مثل علو الرب ، واستوائه على عرشه ونحو ذلك ، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به ، وإن لم يفهم معناه ، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها .
وأما ما تنازع فيه المتأخرون من الألفاظ المبتدعة في النفي والإثبات ، مثل قول القائل هو في جهة أو ليس في جهة ، وهو متحيز أو ليس متحيز ، ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع فيها الناس ، وليس فيها نص لا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أئمة المسلمين ، فإن هؤلاء لم يقل أحد منهم أن الله في جهة ، ولا قال ليس هو في جهة ، ولا قال هو متحيز ولا ليس بمتحيز ، بل ولا قال هو جسم أو جوهر ، ولا قال ليس بجسم ولا بجوهر ، فليس على أحد ، بل ولا له أن يوافق أحدا في إثبات لفظ من هذه الألفاظ أو نفيه حتى يعرف مراده ، فإن أراد حقا قبل ، وإن أراد باطلا رد ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقا ولم يرد جميع معناه ، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى ، كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغيرهما ، فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقا ، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش ، أو نفس السموات ، وقد يراد بها ما ليس بموجود غير الله تعالى ، كما إذا أريد الجهة ما فوق العالم ، فمن أردا إثبات الجهة الوجودية وجعل الله منحصرا في المخلوقات فهذا باطل ، ومن أراد إثبات الجهة العدمية وأراد أن الله وحده فوق المخلوقات بائن عنها فهذا حق ، وليس في ذلك أن شيئا من المخلوقات حصره ، ولا أحاط به ، ولا علا عليه ، بل هو العالي عليها المحيط بها .
وكذلك لفظ التحيز إن أراد أن الله تحوزه المخلوقات ، فالله أعظم وأكبر ، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض ، وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات أي مباين لها منفصلا عنها ليس حالا فيها ، فهو سبحانه - كما قال أئمة أهل السنة - فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه .
الفصل الثاني
في مسألة الكلام
فنقول: القرآن كلام الله أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم معجز بنفسه ، متعبد بتلاوته .
والكلام حقيقة الأصوات والحروف ، وإن سمى به"المعنى النفسي"وهو نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم فمجاز .