لكل أمة شخصية تتميز بها عن غيرها من الأمم، وشخصيتها إنما تعبر عن هويتها الحضارية والتراثية. والأمم الأصيلة هي تلك التي تحافظ على مفاهيمها الحضارية وميولها العقائدية من الزوال والذوبان، وأما الأمم الهجينة فهي التي لا تملك ثوابت حضارية أو عقائدية، ويكون كل شيء في شخصيتها عرضة للتغيير والتبديل، وتكون حضارتها فيها قابلية للتزاوج والتداخل مع الحضارات الأخرى.
إلا أن الحضارات الرئيسية والتي تدعي أن لها شخصية منفتحة على غيرها تراعي دائمًا حدودًا معينة لا تتجاوزها، وتحافظ على ما تعتبره ثوابت لديها فلا تتعداها لأنها تعتبرها خطوطًا حمراء يحظر تخطيها بأي وجه من الوجوه. ومن هنا كان لا بد من معرفة حدود تلك الحضارات وخطوط التمازج والتداخل فيها، لأن شخصية الأمة لا بد وأن يُراعى فيها سمات التميز والاستقلالية، وصفات التواصل والاستمرارية.
وحتى لا نُغرق في بحث الحضارات والشخصيات الحضارية بحثًا فكريًا نظريًا لا فائدة منه، دعونا نتناول الحضارتين الرئيستين في العالم اليوم وهما الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية تناولًا سياسيًا عمليًا، نعالج فيه مسألتين مهمتين وهما تقبل الآخر والثابت والمتغير في كلا الحضارتين.
أولًا: تقبل الآخر في كلا الحضارتين: بالرغم من إكثار الغرب في الحديث عن حوار الأديان ولقاء الحضارات وتعدد الثقافات، إلا أن الحقيقة هي أن هدفه الحقيقي من ذلك يكمن في عزل الثقافة الإسلامية وحمل أتباعها على اعتناق الحضارة الغربية.
فمثلًا إشاعة الغرب لمفهوم (الإسلام المعتدل والإسلام المتطرف) ، فإنه يرمي من إشاعته تلك إلى تمزيق العالم الإسلامي وخلق فجوة بين المجموعات الإسلامية فيه، واستقطاب أكبر نسبة من المسلمين ليكونوا من الموالين له.
ففكرة قبول الآخر التي يتشدق بها الغربيون هي فكرة في اتجاه واحد وتنحصر في قبول المسلمين للغرب وليس العكس. والأدلة على ذلك كثيرة، فالرئيس الأميركي بوش مثلًا في خطابه عن حالة الاتحاد في العام 2002م قال بالنص:"نحن سوف ننتصر عليهم (ويقصد المسلمين في أفغانستان والعراق) وسوف نحلق لحى رجالهم، وننزع حجاب نسائهم، ونُدخل أفلام الجنس إلى غرف نومهم"، وأما رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير فَحدّدَ أربعة معايير لقبول المسلمين أو رفضهم في الغرب، أو بمعنى آخر لاعتبارهم ذلك الآخر المقبول لدى الغرب أو عدم اعتبارهم. وهذه المعايير هي:
1.إزالة دولة (إسرائيل) : فالذي يصر على إزالة إسرائيل من المسلمين لا يُعترف به ولا يعتبر من (الآخر) المقبول لدى الغرب.
2.رفض الوجود الغربي في بلاد المسلمين: فمن يرفض ذلك الوجود لا يُعترف به ولا يصنف ضمن ذلك (الآخر) المقبول عند الغربيين.
3.المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية: فمن يطالب بتطبيق الشريعة لا يُعترف به كذلك، ولا يدخل في عداد (الآخر) الذي يقبل في الغرب.
4.إقامة دولة الخلافة الإسلامية التي تضم جميع البلدان العربية والإسلامية: فمن يسعى لتوحيد البلدان الإسلامية في دولة إسلامية فهو مرفوض أيضًا من الغرب، ولا يُعترف به ولا يدخل في (الآخر) المقبول عند الغربيين.
هذه هي معايير الغربيين الحقيقية في تقبلهم للأخر، وهي معايير تعسفية تتدخل في جوهر الحضارة الإسلامية والعقيدة الإسلامية، وهي تدل كذلك على أن الغرب ليس فقط لا يعترف بالآخر الإسلامي وحسب، بل هو يريد أن ينسف هذا الآخر وأن يزيله من الوجود.
والحقيقة أنه لا قيمة للمسلمين ولا معنى للحضارة الإسلامية إذا لم تحاول الشعوب الإسلامية تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الدولة الإسلامية، وكذلك لا شخصية ولا هوية للأمة الإسلامية إذا بقي النفوذ الغربي في بلاد المسلمين، وإذا بقيت دولة يهود مغتصبة لفلسطين.
فالغرب إذًا يحاول إلغاء الآخر والهيمنة عليه تحت شعار قبوله والاعتراف به. أما الإسلام فلا يعبث بشؤون (الآخر) ، ولا يضع معاييرًا لقبوله أو عدم قبوله كما يفعل الغرب، فصحيح أن الإسلام لا يعترف بالتمازج والتقاطع مع الحضارات الأخرى؛ لأنه يرى أن هذه الحضارات مخالفة لفطرة الإنسان؛ لأنها غير مبنية على أساس التوحيد، ولكنه مع ذلك فهو لا يُكره أتباعها على اعتناق الإسلام، قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (البقرة256) .
فشخصية الأمة الإسلامية لا تتقبل الميوعة والتأثر بغيرها، وهي متميزة تميزًا واضحًا عن غيرها ولا تحتمل التمازج والتخالط والتشارك في المفاهيم، قال تعالى: {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} (البقرة138) والصبغة كما قال المفسرون هي دين الإسلام الذي فطر الله الناس عليه، والذي يظهر أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب؛ لأنه دين الفطرة والتوحيد.