فهرس الكتاب

الصفحة 16939 من 27345

... بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد ، الصمد ؛ الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، والصلاة والسلام على معلم الناس الخير ؛ البشير النذير ، والسراج المنير ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين ؛ أما بعد.

فانه في خضم أزمات الحياة المادية ، يجب على المسلم أن يخلو بربه تعالى ، ويتمتع بلذة مناجاته ، والتشرف بالخلوة به ، والتنعم بتدبر رسالته الخالدة ؛ التي أنزلها لتكون نبرأسا للعالمين ، القران الكريم ، وكان من جملة اهتماماتي بهذه الرسالة الخالدة ، أن يسر الله تعالى في كتابه بعض الكلمات عن بعض الشخصيات التي ورد ذكرها في القران الكريم ، فكانت هذه الرسالة (( شخصيات من القران الكريم ) )سائلا الله تعالى أن يتقبلها مني ، وان ينفع بها المسلمين .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

كتب

د. عائض بن عبد الله القرني

هذه قصة أبينا آدم ، عليه السلام ، قصة الخلق وسجود الملائكة له ، وقصة الخطيئة ، ونحن مثله أو اكثر ، ومن شابه أباه فما ظلم ،وتلك شنشنة نعرفها من أحزم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( ) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إبليس أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة:34)

هنا قضايا هائلة وأحداث عالمية ؛ عاشها آدم ، عليه السلام ، وسمعها الأنبياء والرسل والملأ الأعلى .

أولها: يقول سبحانه وتعالى: (( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ ) )أي: كلفنا وأمرنا وتعبدنا الملائكة أن يسجدوا لآدم .

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ) وفي هذه الكلمة قضايا:

أولها: ما هو هذا السجود الذي يريده ، سبحانه وتعالى ، من الملائكة ؟ وهل يصرف السجود لغير الله ؟

في الحديث: أن معاذا أتى من الشام قال: يا رسول الله ، رأيت العجم يسجدون لملوكهم وأنت أولى أن نسجد لك .

قال r (( لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليه ولكن لا يكون إلا لله ) ) [1] .

فلا يسجد إلا لله ، وهذه السجدة هي سجدة التشريف ، ويوم تضع جبينك في الأرض على التراب يرفعك الله درجات ، ففي حديث ثوبان قال: قال رسول الله r: ( إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة ) ) [2] ، وعن ربيعة الاسلمي قال: قلت يا رسول الله ، أريد مرافقتك في الجنة ، فقال: (( فأعني على نفسك بكثرة السجود ) ) [3] .

كلما سجدت كلما رفعك الله ، وكلما تحررت من العبادة لغير الله ، من عبادة الوظائف والطواغيت ، والمناصب ، والدراهم والدنانير ، ارتعت في مقامات العبودية .

فهل هذا السجود الذي أمر الله به الملائكة لآدم السجود على الأرض مثل ما نسجد للصلاة ؟

لأهل العلم رأيان أو قولان:

يقول الأول: معناه: الانحناء والخضوع ، وهو: أن يهدهد رأسه وان يخضع .

والقول الثاني: معناه: أن يسجد للأرض فالسجود لله ، ولكن تكريما لآدم ، وإجابة لأمر الله سبحانه وتعالى .

والرأي الثاني هو الصحيح ، وكان في شرع من قبلنا السجود للإكرام ، قال ، سبحانه وتعالى ، في قصة يوسف: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ) (يوسف: من الآية 100) أما عندنا في شريعتنا فلا يسجد إلا لله ، ولا يسجد لعظيم مهما كان ،ولا ينحني له ، فان الانحناء محرم.

وفي هذا: قضايا أثارها ابن تيمية وابن القيم ،وغيرهما ، هل الملائكة افضل أو بني ادم افضل ؟

قال بعضهم: الملائكة افضل ؛ لأنهم اقرب إلى الله ، ولان الله رفع أمكنتهم ، ولان الله ما جعل عندهم شهوات ، فانهم عقول بلا شهوات ، وابن آدم شهوة وعقل ، والحيوان شهوة بلا عقل .

ومنها: انهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وكل ما في السماء من ملك ، كلهم سجود إلى قيام الساعة ، وهناك ملائكة لهم اختصاصات عجيبة ومجال التوسع في بسط الكلام عنها يكون في موضوع الحديث عن الملائكة.

واستدلوا بأدلة: منها: انهم يستغفرون لمن في الأرض ، والفضل يستغفر للمفضول ، ليس المفضول يستغفر للفاضل .

وقال قوم: بل بنو آدم افضل ؛ لأنهم ركبت فيهم الشهوة ، وصارعوا الشهوات ، يعني: الصالحين ، أما الكفرة فلا يوازنون بالحمير ولا بالخنازير ولا بالكلاب ( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (الفرقان: من الآية 44) .

والصالحون كما يقول بن تيمية: العبرة بكمال النهآيات لا بنقص البدآيات .

فأما في الدنيا فالملائكة افضل ؛ لأنها اقرب إلى الله ، ولأنهم لا يذنبون ولا يخطئون ولا يعصون الله ،وأما في الأرض فإذا قرب الله بني آدم ودخلوا الجنة - نسأل الله من فضله ، اصبحوا افضل من الملائكة.

بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسل

(( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسجدوا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت