طريق القرآن
هو محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي شهاب الدين، أبو الثناء أديب من المجددين، من أهل بغداد، ولد الآلوسي في الكَرْخ - موضع بالعراق - سنة 1217هـ الموافق 1802م.
كان الآلوسي رحمه الله شيخ العلماء في العراق، سلفى الإعتقاد، مجتهدًا، نادرة من نوادر الأيام، جمع كثيرًا من العلوم حتى أصبح علامة في المنقول والمعقول، فهامة في الفروع والأصول، محدثًا لا يُجاري، ومفسرًا لكتاب الله لا يبارى.
أخذ الآلوسي العلم عن فحول العلماء، منهم: والده العلامة، والشيخ خالد النقشبندى، والشيخ على السويدي، وكان رحمه الله غاية في الحرص على تزايد علمه، وتوفير نصيبه منه.
اشتغل الآلوسي بالتدريس والتأليف وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ودرس في عدة مدارس وقلد إفتاء الحنفية سنة 1248هـ، فشرع يدرس سائر العلوم في داره الملاصقة لجامع الشيخ عبد الله العاقولى في الرصافة، وقد تتلمذ له وأخذ عنه خلق كثير من قاصي البلاد ودانيها، وتخرج عليه جماعات من الفضلاء من بلاد مختلفة كثيرة. وكان رحمه الله يواسي طلبته في ملبسه ومأكله، ويسكنهم البيوت الرفيعة من منزله، حتى صار في العراق العلم المفرد، وأنتهت إليه الرياسة لمزيد فضله الذي لا يحمد، وكان نسيجًا وحده في النثر وقوة التحرير، وغزارة الإملاء، وجزالة التعبير، وقد أملى كثيرًا من الخطب والرسائل، والفتاوى والمسائل، ولكن أكثر ذلك فقد وعفت آثاره، ولم تظفر الأيدى إلا بقليل منه.
وكان ذا حافظة عجيبة، وفكرة غريبة، وكثيرًا ما كان يقول:"ما أستودعت ذهنى شيء فخانني، ولا دعوت فكرى لمعضلة إلا وأجابني". قلد الآلوسي إفتاء الحنفية سنة 1248هـ، وولى أوقاف المدرسة المرجانية، إذ كانت مشروطة لأعلم أهل البلد، وتحقق لدى الوزير الخطير على رضا باشا أنه ليس فيها من يدانيه من أحد.
كان رحمه الله عالمًا باختلاف المذاهب، مطلعا على الملل والنحل، شافعى المذهب، إلا أنه في كثير من المسائل يقلد الإمام أبا حنيفة رضى الله عنه، وكان أخر أمره يميل إلى الاجتهاد، توفى رحمه الله تعالى يوم الجمعة 25 من ذي القعدة سنة 1270هـ الموافق 1845م، ودفن مع أهله في مقبرة الشيخ المعروف الكرخي في الكرخ.
كتبه ومؤلفاته:
خلف الإمام الآلوسي رضى الله تعالى عنه ثروة علمية كبيرة ونافعة بيد أنه يأتي على رأس هذه المؤلفات كتابه: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني الذي نحن بصدده.
التعريف بتفسير روح المعاني ونهج مؤلفه فيه:
ذكر الإمام الآلوسي في مقدمته أنه منذ عهد الصغر، لم يزل متطلبا لاستكشاف سر كتاب الله المكتوم، مترقبًا لارتشاف رحيقه المختوم، وأنه طالما فرق نومه لجمع شوارده، وفارق قومه لوصال فرائده، لا يَرْفَلَ في مطارف اللهو كما يرفل أقرانه، ولا يهب نفائس الأوقات لخسائس الشهوات كما يفعل لإخوانه، وبذلك وفقه الله للوقوف على كثير من حقائقه، وحل وفير من دقائقه، وذكر أنه قبل أن يكمل سنه العشرين، شرع يدفع كثير من الإشكالات التي ترد على ظاهر النظم الكريم، ويتجاهر بما لم يُظفر به في كتاب من دقائق التفسير …
ثم ذكر أنه كثيرًا ما خطر له أن يُحرر كتابًا يجمع فيه ما عنده من ذلك، وأنه كان يتردد في ذلك، إلى أن رأى في بعض ليالي الجمعة من شهر رجب سنة 1252 هجريًا أن الله جل شأنه أمره بطي السماوات والأرض، ورتق فتقها على الطول والعرض، فرفع يدًا إلى السماء وخفض الأخرى إلى مستقر الماء ثم أنتبه من نومه وهو مستعظم لرؤيته، فجعل يفتش لها عن تعبير، فرأى في بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير، فشرع فيه في الليلة السادسة عشرة من شهر شعبان من السنة المذكورة، وكان عمره إذ ذاك أربعة وثلاثين سنة، وذلك في عهد محمود خان بن السلطان عبد الحميد خان. وذكر في خاتمته أنه انتهى منه ليلة الثلاثاء لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة 1267 هجريًا.
ولما انتهى منه جعل يفكر ما اسمه؟ وبماذا يدعوه؟ فلم يظهر له اسم تهتش له الضمائر، وتبتش فسماه:"روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني".
مكانة روح المعاني من التفاسير التي تقدمته: الحق يقال إن تفسير روح المعانيٍ قد أفرغ فيه الإمام الآلوسي وسعه , وبذل مجهوده حتى أخرجه للناس كتابًا جامعًا لآراء السلف رواية ودراية، مشتملًا على أقوال الخلف بكل أمانة وعناية ، فهو جامع لخلاصة ما سبقه من التفاسير، فتراه ينقل لك عن تفسير ابن عطية ، وتفسير أبي حيان ، وتفسير الكشاف ، وتفسير أبي السعود ، وتفسير البيضاوي ، وتفسير الفخر الرازي وغيرها من كتب التفاسير المعتبرة .
وهو إذا نقل عن تفسير أبي السعود يقول غالبًا: قال شيخ الإسلام
وإذا نقل عن تفسير البيضاوي يقول: قال القاضي
وإذا نقل عن تفسير الفخر الرازي يقول: قال الإمام