فهرس الكتاب

الصفحة 3498 من 27345

عمر مناصرية

على طاولة كانوا جالسين، مظلمي الوجوه، أعينهم غائرة ووجوههم كذلك، ينظرون إلى بعضهم شزرا. وعلى الطاولة مسدسات. أمام كل واحد مسدس اسود، يحار المرء لم هو مسدد إلى الآخر، وكان ضوء عال ينزل عليهم جميعا، قلا يضئ إلا مساحات عمودية من وجوههم.فيبدوا أنهم ليسوا بشرا أبدا، بل كائنات أخرى غريبة، جاءت من مكان بعيد واستقرت هنا في هذا المكان. ثم فتح شاب الباب ودخل.. سار متقدما نحوهم وهم لا يلتفتون. سار بخطى واثقة. وقف قريبا منهم وقال:

-إن الأب بخير..

قال ذلك بلغتين مختلفتين، ناظرا إليهم كأنما ليؤكد ما قاله، فنطق واحد منهم وكان طويلا:

-ألم يمت؟

-لا

فقال آخر:

هل حاله مستقرة؟

-نعم ولكن...

-لكن ماذا؟

-لا. لاشيء.إنه بخير.

بدا للرجال الأربعة الجالسين على كراسيهم أن الوقت هو المساء، وفي ذهن كل واحد منهم رغبة عارمة إلى الراحة، لولا أن الشاب أضاف:

-إنه يقول أنه لا يشك في أي واحد منكم.

فصرخ رجل لم يتكلم حتى ذلك الحين:

-ماذا؟

فكرر الشاب قوله:

-إنه لايتهم أحدا منكم.

بدا الانزعاج عليهم جميعا، ونظروا إلى عيون بعضهم بعضا، ثم إلى مسدساتهم...ثم قال أحدهم:

-كيف ذلك؟ ألم يتناول سما؟

-قال الشاب: نعم.. ولكنه يقول إن أحدا منكم لم يفعل ذلك.

فقال آخر:

-وكيف لنا أن نعرف؟

صمت الشاب، وكذلك هم. كانوا اخوة جميعا، وكانوا يريدون إرواء حنق قديم. وعندما نزلوا من سيارتهم قبل يومين لم يتوقع أحد منهم أن يصير حاله إلى هذا الوضع. كانوا قد عاشوا بعيدا، كل في طرف الأرض بعد أن لم يستطيعوا تحمل العيش مع بعضهم، وفي الليلة السابقة لقراءة الوصية،لم يكن الأب يعاني من شيء. بدا صارما وواثقا كعهده، ثم سقط فجأة وأخبر الطبيب أنه تناول سما في طعامه. إذ ذاك تحول كل شيء. جاءوا جميعا إلى هذه الطاولة وجلسوا، ثم لما مضى الوقت أخرج كل واحد مسدسا كان يحمله ووضعه أمامه..لم يعرفوا لم قاموا بذلك، كأن قوة غامضة سحبتهم إلى هناك وأجلستهم وأرت كل واحد ما عليه أن يفعله. كأنهم لم يعرفوا أبدا لم كانوا هناك... لبثوا جالسين لا يتكلمون. تذكروا ربما طفولتهم. تذكروا أمهاتهم، وكيف استطاع ذلك الأب الجشع أن يتزوجهن جميعا. مسلمة ومسيحية ويهودية وبوذية. لابد أنه كان مترفا حتى يستطيع أن يلبي غروره ذاك، ولو لم يكن كذلك لاكتفى بواحدة من بني جنسه ولم يمد عينيه إلى الأخريات. شعر كل واحد بالحنق.. برغبة عارمة في القتل. في السابق لم يفكروا ببعضهم كثيرا. انخرط كل واحد في دينه وعمله. ولكنهم لما اجتمعوا ورأوا وجوه بعضهم بعضا، شعروا بالغيض. كيف لهم أن يجتمعوا في بيت واحد؟ وتلك النساء جميعا، كيف رضين بالعيش تحت سلطة رجل واحد؟ شعروا بالحنق نحوه، ولم يكترثوا لموته أو وصيته إلا بما يمكنهم من قتل بعضهم.

لبثوا صامتين لا يتكلمون، فلما خرج الشاب تاركا إياهم، دب نعاس غريب إليهم. شعروا بالإرهاق وبرغبة في النوم. جاهد كل واحد منهم ليبقى يقظا. لم يتحركوا. لم يتكلموا.. ولما لم يستطيعوا مقاومة ناموا. ولكرههم حلموا جميعا بنفس الحلم..فقد رأى كل واحد أن أخاه وفيما هو نائم، إذ عمد إلى مسدسه وحشاه وسدده إليه وهو يقهقه، ثم فتحه عليه.فلما سمعوا الطلق في منامهم، استيقظوا مذعورين.تناولوا مسدساتهم بسرعة. انزاحوا عن كراسيهم وفتحوا النار على بعضهم، فاختلط القتل بالقتل، وسالت دماء. سقطوا جميعا على الأرض. مدوا إلى بعضهم بعضا أيديهم.قال كل واحد بلغته: أخي. وقبل أن يسلموا أرواحهم، كانوا قد فهموا معنى تلك الكلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت