الشيخ محمد الهدار ـ صحيفة أخبار بنغازي / الشبكة
الحمد لله الذي جعل الصيام جنة،وسببا قويا موصلا للجنة وأشهد أن لاإله إلا الله صاحب كل ذي فضل ومنة، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله خير من سار علي النهج القويم وسن لأتباعه السنة ، صلوات الله وسلامه عليه وعلي آله وأصحابه وأتباعه إلي يوم دخول المؤمنين الجن...
أما بعد أيها الإخوة المسلمون عرفنا في الحلقتين السابقتين بعض الأمور اليسيرة المتعلقة بفوائد وفضائل الصيام والمتعلقة بتلاوة القرآن الكريم ، واليوم نتعرض في هذه الحلقة لقضية مهمة جدا وهي التي شرع الله الصيام في هذه الشهر من أجلها ألا وهي تقوي الله تعالي وهذا واضح من قوله تعالي"لعلكم تتقون"والتقوى تعتبر هي الغاية المنشودة من وراء كل التشريعات التعبدية والأخلاقية التي نادي بها دين الإسلام وهي المطلب الأسمى الذي نادي به جميع الأنبياء والرسل ابتداء بآدم وانتهاء بمحمد عليهم صلوات الله وسلامه جميعا وهذا يؤكده ويجليه قوله تعالي"ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله"..
إخوة الإيمان إن الحديث عن التقوى عذب وشائق ومهم وطويل ،كيف لا وهي الأساس ، ورأس الحكمة كما قيل ، وهي التي من أجلها بعث الله الرسل وأيدهم بالمعجزات والبراهين ، وخلق من أجلها الجنة والنار ، فمن أتي بها وحرص عليها فجنة نعيم ، ومن تركها وأهمل أمرها فنار جهنم والعياذ بالله ، وقد اعتبرها الله سبحانه وتعالي خير زاد فقال عز من قائل"وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"وجعلها خير لباس فقال الحكيم:"ولباس التقوى ذلك خير"وجعل الهدي الذي تضمنه الكتاب العزيز لايستفيد منه إلا المتقون فقال سبحانه:"ألم ذلك الكتاب لاريب فيه هدي للمتقين"وبين بعض خصالهم وصفاتهم في الآيات التي بعد الآيات السابقة فقال:"الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك علي هدي من ربهم وأولئك هم المفلحون"والتقوى تجمع الخيرات ، لأنها امتثال للأوامر واجتناب للمناهي.
جاء في كتاب التحرير والتنوير للعلامة ابن عاشور قوله"المتقي من اتصف بالاتقاء وهو طلب الوقاية ، والوقاية:الصيانة والحفظ من المكروه ، فالمتقي هو الحذر المتطلب للنجاة من شيء مكروه مضر والمراد هنا المتقون الله ، أي الدين هم خائفون غضبه واستعدوا لطلب مرضاته واستجابة طلبه فإذا قرئ عليهم القرآن استمعوا له وتدبروا ما يدعوا إليه فاهتدوا ، والتقوى الشرعية هي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات من الكبائر وعدم الاسترسال علي الصغائر ظاهرا أو باطنا أي اتقاء ماجعل الله الاقتحام فيه موجبا غضبه وعقابه ، فالكبائر كلها متوعد فاعلها بالعقاب دون اللمم.."
قلت ومما يشهد لهذا الكلام قوله تعالي:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما".. كما يشهد له كذلك قوله: صلي الله عليه وسلم في الصحيح"الصلوات الخمس والجمعة إلي الجمعة ورمضان إلي رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر"هذا ولقد ذكر القرطبي وابن كثير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى: فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال: بلي ، قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت ، قال: فذلك التقوى.. وقد أخذ هذا المعني ابن المعتز فقال:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرنصغيرة إن الجبال من الحصى
فتقوى الله تعد بمثابة الرأس للجسد، والروح للبدن ،لأنها هي التي تجعل المرء يبتعد عن المحرمات وتشحذ همته لفعل المأمورات ، وهي التي يفرق بها المؤمن بين الحق والباطل وذلك لأن من يتفي الله يجعل له فرقانا كما قال سبحانه"يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا"وهي كذلك سبب لسعة الرزق والمخرج من كل ضيق يؤكد ذلك قوله جل وعلا في سورة الطلاق:"ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب"فاحرصوا إخوة الإيمان على تقوى الله في هذا الشهر استفادة تكون زادكم وعدتكم بقية العام ، بارك الله لي ولكم في الصيام والقرآن والتقوى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..