فهرس الكتاب

الصفحة 24424 من 27345

من أشكال الحوار 11/1/1426

أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

إن الحوار لأهميته تكرر كثيرًا في القرآن، فالحوار هو سبيل إيصال الدين، وتعليم الجاهلين، وإقناع المعارضين، ومعرفة ما عند الآخرين، وهو القدرة على التفاعل المعرفي والعاطفي والسلوكي مع الناس، وبه يسهل تبادل الخبرات والمفاهيم بين الأجيال.

فلا عجب أن امتلأت دفتا المصحف بعرض مواضيع تتعلق بالحوار.

ولعل المتأمل في آي القرآن الكريم يلحظ أن الحوار ورد ذكره على خمسة أضرب، وقد يكتنف الضرب الواحد مدح وذم باعتبارات مختلفة:

-فقد جاء في القرآن ذكر الحوار على وجه العموم؛ سواء أكان ذلك بذكر نص لفظ الحوار أو مشتقاته، أو بذكر وصفه وما جرى فيه من أقوال للمتحاورين.

-ويأتي كذلك بذكر المجادلة.

-ويأتي بذكر المخاصمة، وأصل المخاصمة المنازعة، فإذا جاءت في الحوار دلت على نوع خاص من الجدال، وهو الذي يتنازع الحقَ فيه أكثر من طرف.

-ويأتي بذكر المحاجة، وهي ضرب من المخاصمة، فالتنازع في المخاصمة قد تكون معه محاولة الإتيان ببرهان، أو لا تكون، كأن يكون التنازع بنحو رفع الصوت، أو مجرد الادعاء، فإن كان التنازع عن طريق الإتيان بالحجج الناصرة لقول أحد المتحاورين كانت المحاجة إذ كل واحد من المتحاورين ينازع الآخر البرهان أو الحجة، ويزعم أن الحق حيث حج أو قصد.

-ويأتي بذكر المماراة، وهي مجادلة ومنازعة وطعن في قول الآخر تزيينًا للقول وتصغيرًا للقائِل بخلافه، ومنه قول الله _تعالى_:"فلا تمار فيهم إلاّ مراءً ظاهرًا"والمراد: لا تجادل فيهم على نحو التجهيل والتعنيف (تمار) ، إلاّ جدلًا وفق ما أظهرنا لك كقولك لهم: لا، لم يكون أصحاب الكهف ثلاثة ولاخمسة، وهذا القول فيه معنى المراء اللغوي لكونه يتضمن تكذيبًا وتجهيلًا لمدعي خلافه، وقد خرج عن أصل المراء المذموم؛ لأنه لا مجال لتكذيب القرآن أو التساهل في تقرير ما قرر.

وكل هذه أقسام من أقسام الحوار وجميعها يحتاج إلى بسط وتفصيل وبحث لتعلم مواطن حمدها، ومواضع ذمها، ولعلي أقف اليوم مع المجادلة لأبين كيف تكون وجهًا من أوجه الحوار الهادئ، ومتى تكون ضربًا من الخصام الذي يذم أهله.

ومع التنبيه على أن أغلب ما تجيء المجادلة في النصوص الشرعية بمعنى المناقشة والخصام.

وأصل المجادلة من الجدل: وهو أصل واحد يفيد استحكام الشيء في استرسال يكون فيه، كامتداد الخصومة ومراجعة الكلام (1) .

ومن هنا نخلص إلى أن المجادلة على معنيين يقتضي جميعهما أصل المادة:

1-الاسترسال في النقاش، ومراجعة الكلام مطلقًا بغير خصومة.

2-الاسترسال في مراجعة الكلام لأجل المخاصمة أو الشقاق أو المخالفة، وهذا الإطلاق في القرآن هو الأكثر.

أما الإطلاق الأول: وهو أن تأتي المجادلة للاسترسال في النقاش (مراجعة الكلام) ، فكما في قول الله _تعالى_:"قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا" (المجادلة: من الآية1) .

عبر بهذا اللفظ لا لكونها تطيل في الخصام وهو المعنى الذي غلب إطلاقه على الجدال، ولكن لكونها استرسلت في النقاش، وقد أورد ابن كثير في تفسير الآية:

"عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية أنت علي كظهر أمي حرمت عليه فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس وكان تحته ابنة عم له يقال لها خويلة بنت ثعلبة فظاهر منها فأسقط في يديه، قال:ما أراك إلا قد حرمت علي،وقالت له مثل ذلك قال فانطلقي إلى رسول الله _لى الله عليه وآله وسلم_فأتت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه، فقال: يا خويلة ما أمرنا في التابعين بشيء فأنزل الله على رسوله _صلى الله عليه وسلم_."

-فقال:"يا خويلة أبشري".

-قالت: خيرًا.

-قال: فقرأ عليها"قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما"، إلى قوله _تعالى_:"والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا".

-قالت: وأي رقبة لنا والله ما يجد رقبة غيري.

-قال:"فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين".

-قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره.

-قال: فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.

-قالت: من أين ما هي إلا أكلة إلى مثلها.

-قال: فدعا بشطر وسق ثلاثين صاعًا، والوسق ستون صاعًا، فقال: ليطعم ستين مسكينًا وليراجعك.

وهذا إسناد جيد قوي وسياق غريب وقد روي عن أبي العالية نحو هذا..."."

لهذا الاسترسال في النقاش والمراجعة، جاء التعبير القرآني:"تجادلك في زوجها"، ونسب المجادلة لها، لكون استرسالها في الكلام هو الذي سبب استرسال النبي _صلى الله عليه وسلم_ في الجواب وأنشأه. والله أعلم

وقد قرئ:"تحاورك"أي: تراجعك الكلام. وتحاولك، أي: تسائلك.

وهذا النوع من المجادلة لا ينهى عنه ولا يذم، طالمًا أن الاسترسال في النقاش كان لمقتض صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت