مصححوا المفاهيم: الغزالي، ابن تيمية، ابن حزم، ابن خلدون
الأستاذ أنور الجندي
أولًا:
في مراجعة لتطور الفكر العربي الإسلامي يلتفت النظر بقوة إلى عدد من الشخصيات البارعة، ذات الطابع القوي الواضح، في مقدمتهم ابن حزم والغزالي وابن تيمية وهم يمثلون مرحلة تالية لمرحلة بناء السنة والفقه والعقائد:
فقد عرف الفكر الإسلامي في مجال بناء السنة وتحقيقها: البخاري ومسلم. وفي مجال بناء الفقه: مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل.
وفي مجال العقيدة: الأشعري والجويني.
أما أمثال ابن حزم والغزالي وابن تيمية فلم يكونوا متخصصين في منهج من هذه المناهج العلمية ولكنهم كانوا شيئًا آخر يمكن أن يطلق عليه اسم"مصححوا المفاهيم ومجددوا بناء الفكر الإسلامي"وتلك مهمة ضخمة لم يتصدر لها إلا قليل، من أبرزهم هؤلاء العمالقة الذين ظهروا في مراحل مختلفة متوالية وفي فترة من أدق فترات تبلور الفكر الإسلامية وسعيه إلى بناء منهج شامل يضم مختلف التيارات ويشجب مختلف الانحرافات التي أثارتها الدعوات الباطنية والمخاصمة للإسلام أساسًا، هو منهج أهل السنة والجماعة.
ويمثل كل منهم تحديًا واضحًا لخطر من أخطار الغزو المتصل من المذاهب والدعوات المعارضة، كما يبدو منهج كل منهم في كلمة واحدة هي:"التماس مفهوم القرآن أساسًا"شجبًا لكل انحراف يحاول أصحابه صرف الفكر الإسلامي عن مجراه الأصيل ومنهجه الطبيعي.
كان المفهوم الذي دافع عنه ابن حزم هو: الوقوف عند النص في مقابل الإسراف في تجاوزه والمبالغة في الاستنساج منه وتحميله الكثير المختلف مما يحتمل وما لا يحتمل - على حد تعبير الأستاذ طه الحاجري - فقد استفاضت في عصره نزعة تدعو إلى التوسع في تحميل آيات القرآن ما تطيق وما لا تطيق واجتلاب الأخبار والآراء من هنا وهناك والتكثر من ذلك لإقحامها في تفسير القرآن.
فدعوة ابن حزم أساسًا: معارضة التأويل والتماس المفهوم القرآني الواضح والوقوف عنده. وقد رأى ابن حزم أن القياس والرأي قد بدعدا بين المفهوم الأساسي، وبين التفسير الذي وصل إليه الفقهاء، وأن ذلك كان مصدر الفساد الذي تعرضت له الحياة الاجتماعية في بيئته الأندلسية، فكانت دعوته هي صدى تيار القياس الذي أصبح وسيلة سهلة في أيدي بعض الفقهاء تكاد تخرج بالناس عن الحدود والضوابط التي رسمها القرآن، لتبرر أوضاع الحضارة والحياة الاجتماعية التي خرجت عن مبادئ الأخلاق والضمير في قرطبة.
وقد رأى ابن حزم أن القياس والاستحسان قد خرجا عن الحدود التي وضعت لهما بحيث أصبحت الأمور أشبه"بالفوضى التي لا ضابط لها".
وقد رسم ابن حزم مفهومه على هذا النحو:
"جملة الخبر كله أن تلزموا ما نص عليه ربكم تعالى في"القرآن"بلسان عربي مبين، لم يفرط فيه من شيء، وما صح عن نبيكم صلى الله عليه وسلم برواية الثقات من أئمة أصحاب الحديث رضي الله عنهم، مسندًا إليه عليه السلام، فهما طريقان توصلكم إلى رضى الله عز وجل. وأعلموا أن دين الله ظاهر لا باطن له، وجهر لا سر تحته، كله برهان لا مسامحة فيه، واتهموا كل من يدعو إلى أن يتبع بلا برهان، وكل من إدعى للديانة سرًا وباطنًا فهي دعاوى ومخارق، وأعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو ابنة أو عم أو ابن عم أو صاحب، على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا عنده عليه السلام سر ولا رمز ولا باطن، غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتمهم شيئًا لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر، فإياكم وكل قول لم يتبين سبيله، ولا وضع دليله ولا تخرجوا عما مضى عليه نبيكم صلى الله عليه وسلم."
ويقول: إن كلام الله تعالى واجب أن يحمل على ظاهرة ولا يحال عن ظاهره البتة، إلا أن يأتي نص أو إجماع أو ضرورة على شيئًا منه ليس على ظاهره، وأنه قد نقل عن ظاهره إلى معنى آخر فالانقياد واجب علينا لما أوجبه ذلك النص أو الإجماع أو الضرورة، لأن كلام الله تعالى وأخباره وأوامره لا تختلف، والإجماع لا يأتي إلا بحق، والله تعالى لا يقول إلا الحق، وكل ما أبطله برهان ضروري فليس بحق.
وقد كشف ابن حزم عن جوهر رأيه ومفهوم في موسوعته الضخمة"المحلى"واستطاع أن يجدد شباب الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي وأن يقدم آراء ناصعة جديدة دفعت تيار الثقافة الإسلامية إلى الأمام وأعادت صياغة مفهوم الفكر العربي الإسلامي على نحو يجري مع العصر المتطور والبيئة المتغيرة دون أن يخرج عن أرضيته الأساسية وقاعدته الأصيلة.
ومن اجتهاده الذي جدد به الفكر الإسلامي قوله: