فهرس الكتاب

الصفحة 23439 من 27345

إن كل مسلم عاقل بالغ من ذكر أو أنثى، حر أو عبد تلزمه الطهارة والصلاة والصيام فرضًا بلا خوف من أحد من المسلمين، وتلزم الطهارة والسلاة المرضى والأصحاء، ففرض على كل من ذكرنا أن يعرف فرائض صلاته وصيامه، وكذلك يلزم كل من ذكرنا أن يعرف ما يحل له ويحرم عليه من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والأموال والأعمال فهذا كله لا يسع جهله أحد من الناس، ويجبر الإمام أزواج النساء وسادات الأرقاء على تعليمهم ما ذكرنا، أما بأنفسهم وإما بالإباحة لهم لقاء من يعلمهم، وفرض على الإمام أن يأخذ الناس بذلك وأن يرتب أقوامًا لتعليم الجهال.

ثانيا:

في مجال الفكر الإسلامي نجد دعاة ومجددون ينتظمون تاريخه كله، أما الدعاة فهم أولئك الأبرار الذين ينطلقون في الأرض ينشرون كلمة الله ويذيعونها في الآفاق. وقد حقق هؤلاء نتائج بالغة الأثر والأهمية وتم على أيديهم طوال تاريخ الإسلام دخول عدد كبير في الإسلام. لم تكن أداتهم في ذلك غير شخصية مؤمنة في التعبير عن عقيدة سمحة يسيرة، تؤدي القدوة فيها عملًا أضخم من كل كلام في الإقناع بشخصية المسلم.

أما المجددون ومصححو المفاهيم فقد حفل بهم تاريخ الفكر الإسلامي، ولم ينقطع تواردهم في كل عصر، وبيئة، يدعون الناس إلى التماس قيمهم من القرآن أساسًا، ويردون على الشبهات المثارة، ويصححون المفاهيم التي تكون قد انحرفت نتيجة دخول مفاهيم غريبة عليها في محاولة للقضاء على القيم الأساسية التي يتسم بها الفكر الإسلامي.. وفي مقدمة هؤلاء ابن حزم والغزالي وابن تيمية..

أما ابن حزم فقد جابه موجة الجمود والتقليد التي كانت تسود عصره، وجدد الفكر الإسلامي ملتمسًا أصوله من القرآن والسنة الصحيحة. وآراؤه واعية إيجابية قوامها الصراحة والاحتكام إلى العقل ومقاومة التقليد.

أما"الغزالي"فقد واجه عناصر عديدة من خصوم الفكر الإسلامي كالباطنية والدهرية وفلاسفة الإلهيات وعلماء الكلام وشجب مفاهيمهم جميعًا وأعلن أن أسلوب القرآن هو أعلى الأساليب وأبلغها وأدقها وأقربها إلى مختلف العقول والنفوس، وأنه أصدق من أسلوب المتكلمين وأنفع وأعم وأشمل للطبقات والمستويات الفكرثية المختلفة، وإن علم الكلام علاج مؤقت، نشأ في ظروف معينة للرد على شبهات وشكوك مثارة، ولا حاجة للطبائع السليمة والعقول المستقيمة إليه، أما"القرآن"فالغذاء الصالح والماء السائغ يحتاج إليهما كل إنسان وينتفع به آحاد الناس ويستضر به الأكثرين.

وواجه الغزالي الفلسفة فأثبت حقها في مجال الفلسفة الطبيعية والرياضيات وهاجم"الفلسفة الإلهية"وحدها.

وقال أن أغلب هذه العلوم (الفلسفة) الطبيعية والرياضية) أمور برهانية وأنه لا يخدم الإسلام إنكارها، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي أو الإثبات ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية.

أما الفلسفة الإلهية ففيها أكثر أخطائهم، وقال أنهم ما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوه في المنطق ويرجع ذلك إلى أن الإلهيات ليست كالعلوم الأخرى (الرياضة والطبيعة) وليس لها مقدمات ومحسوسات ومبادئ و"لهذا كثرت فيها أغلاطهم وتخيلاتهم"وقال إن خطر الفلسفة على أذهان الناشئة هو أن"يجدوا أصحابها لامع رزانة عقولهم وغزارة عملهم منكرين للشرائع والنحل جاحدين لتفصيل الأديان والملل، وقد ألحدوا وأنكروا الدين تطرفًا وتكايسًا"ووجه هدفه إلى"تهافت عقيدة فلاسفة اليونان"وتناقض كلمتهم فيما يتعلق بالإلهيات وأن هذه المسائل ليست حقائق علمية:

وحصر الغزالي خلافه معهم فثي ثلاث مسائل:

ققولهم بقدم العالم.

قولهم بأن الله - سبحانه وتعالى - لا يحيط علمًا بالجزئيات الحادثة من الأشخاص.

إنكارهم بعث الأجساد وحشرها.

وقال إن هذه المسائل الثلاثة لا تلائم الإسلام بوجه.

ومن هنا فإن الحملة دومًا إلى الغزالي بأنه خصم الفلسفة هي دعوى باطلة، وإنما هاجم الغزالي"الفلسفة الإلهية الإغريقية الوثنية"التي لا تتفق مع عقيدة التوحيد، وكشف عن أثر هذه الفلسفة في نفوس من يتمسحون بها ليثيروا الشكوك والأوهام حين ينكرون الأديان والشرائع. ولم يهاجم الغزالي إلا ما يصادم استدلالهم وتناقضهم واختلافهم وتهافت عقيدتهم.

وقد استطاع الغزالي بقدرته الفكرية العريضة يستصفي الفكر الإسلامي من الدعوات المنحرفة التي اتصلت به عن طريق الشعوبية والباطنية في محاولة لتغيير مفهومه أو هدم مقوماته. فرد على كل هذه الفرق، وكشف عن دسائسها وشبهاتها الخفية الدفينة.

وكان مجمل دعوته التماس مفهوم الفكر الإسلامي والمجتمع الإسلامي في القرآن نفسه باعتباره المصدر الأصيل الذي بدأت منه رحلة الفكر نفسه، وبحسبان أن منهجه وأسلوبه هو أصفى الأساليب وأقومها وأبسطها وأبعدها عن التعقيدات فضلًا عما له من"منطق"خاص، يتصل بالفطرة والذوق - وبذلك أعاد الغزالي صياغة الفكر الإسلامي من جديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت