وقد اختار الغزالي منهج"التعليم والثقافة"بدلًا من أسلوب"الجدل الكلامي"وناقش المسائل على أساس"العقل المتأدب بالشرع".
وهو يمزج علم النفس بالأخلاق والدين ويرى أن هدف الدراسات النفسية هو أن تكون وسيلة إلى تهذيب النفس ويرى أن دوافع السلوك في الإنسان هي: الطعام والجنس والمال والجاه.
وقد سبق الغزالي بهذا الرأي ما ذهب إليه فرويد وإدلر وأولهما رد السلوك الإنساني إلى الغريزة الجنسية والثاني رده إلى غريزة السيطرة.
وإذا كان الغزالي قد واجه مشكلات عصره ووضع النهج القويم لعلاجها، فإنه من خلال ذلك قد
واجه أكبر معضلات الفكر الإسلامي كله وهو العمل على تكامل الفكر الإسلامي بالتقاء الفقه بالتصوف والفلسفة والدين والعقل والقلب. وقد عمل الغزالي على إطلاق الحركة للعلم والفلسفة والعقل داخل إطار الفكر الإسلامي لا خارجه.
ويرى الغزالي أن للعقل مهمة كبرى لاشك فيها ولاريب، هي إدراك التناقض في الآراء والقضايا النظرية واستبعاد الأحكام المتناقضة في ميدان العلم وفي ميدان الآراء الدينية.
وبالجملة فإن الغزالي قد أعاد صياغة الفكر الإسلامي من جديد ملتمسًا مصدره الأساسي من القرآن الكريم:"عقيدة وعبادة ومعاملة وخلقًا".
ثالثًا:
من أهم قوانين الفكر الإسلامي ظهور مصلح مجدد، يصحح المفاهيم كلما اضطربت ويعيد بناء هذا الفكر من خلال مفهوم"القرآن"نفسه بحسبانه حجر الأساس والمصدر الأصيل لمفاهيم الإسلام.
وقد ظهر عدد من هؤلاء المصلحين والأئمة والمفكرين على فترات متعددة خلال حركة التاريخ الإسلامي والفكر الإسلامي في مقدمتهم: ابن حزم والغزالي وابن تيمية.
واجه الغزالي تحديات الغزو الصليبي بإعادة صياغة الفكر الإسلامي على أساس"الوسطية والتكامل"بصهر الاتجاهين اللذين كانا يسودان الفكر الإسلامي ويحاول كل منهما ان يعتبر نفسه ممثلًا للإسلام دون الآخر: الفقه والتصوف. أما الفقهاء فقد كانوا يقفون عند حدود النصوص، بينما كان الصوفية يحاولون تجاهل النصوص فلما جاء الغزالي مزج الفقه بالتصوف، والعقليات بالروحيات، وفق مفهوم الإسلام نفسه تكاملًا بينهما ووسطية بعيدًا عن الجمود والانحراف، ثم سرى منهجه وتوسع، غير أن سقوط بغداد في أيدي المغول والتتار في منتصف القرن السابع كان بعيد الأثر في غزو فكري جديد - فقد سيطرت مرة أخرى انحرافات جديدة في مجال مفهوم التوحيد بالذات وغلبت الدعوة إلى الحلول والاتحاد بانحراف يتعارض مع مقومات الإسلام وأصوله.
وكانت الفلسفة الباطنية المعادية للسنة - التي هي أساس الإسلام - هذه الفلسفة قد خلقت مفاهيم جديدة أخذت تزداد قوة على مرور الزمن وتحاول أن تغلف قيم الإسلام الأساسية حتى كانت هذه المفاهيم المنحرفة أن تأخذ مكان المفهوم العقائدي الصحيح.
وكان الغزو الشعوبي يعمل أصلًا على تدمير أعظم حصون الإسلام والفكر الإسلامي وهو"التوحيد"ومن ثم فضت البدع والمحدثات، وغلبت أفكار الفلسفات اليونانية وأفكار المجوسية وتغلغلت في العقائد والعبادات وألوان السلوك ولاسيما في مجال التصوف وما يتصل به من رموز ودعاوى وتلبيسات، وغلبت على العلماء نزعة التقليد مع التعصب المذهبي، وكانت الأفكار الوافدة من الفلسفات الهندية واليونانية حول الحلول والاتحاد من أخطر هذه الآراء.
وكان معنى هذا كله انحراف مفهوم الإسلام انحرافًا خطيرًا عن"القيم الأساسية في القرآن"وهي حجز البناء في الفكر الإسلامي الغربي.
وأصبح التحدي الناتج عن هذا الركام الهائل من الأفكار والمذاهب والفلسفات الدخيلة دافعًا إلى ظهور مصلح جديد متكامل الفهم للإسلام (عقيدة وشريعة وأخلاق) قوي العزيمة والإرادة لتمزيق هذه الشبهات ودحض المحاولات المتوالية لصبغ الفكر الإسلامي بلون غريب بعيد عن طابعه الأصيل. وكان تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الشهير بابن تيمية وهو حامل لواء الوسطية في مواجهة الانحراف، والتكامل في مواجهة التجزئة. والحركة في مواجهة الجمود. وفق سنة ثابتة وقانون صارم يتمثل في مجرى الفكر الإسلامي منذ نزال القرآن، ويسجري وفق إعادةت صياغة الفكر الإسلامي على أساس مضامين القرآن وأسسه الأصلية.
وقد هاجم ابن تيمية كل انحرافات الفكر الإسلامي الخارجة عن مفهوم القرآن، وأعلن أن الأساس الأصيل لهذا الفكر إنما يتمثل في الكتاب (القرآن) والسنة مفسرة له وموضحة. وقال أن الكتاب (القرآن) ليس علم عقائد بالخبر والنقل وحسب، بل بالدليل والبرهان. وأن النبي فسر القرآن كله لأنه هو الذي عليه أن يبينه ويوضحه، وبيانه من أركان تبليغ الرسالة.
وقد تلقى الصحابة تفسير القرآن كله وعلمه كله، وعلى الإنسان ألا يتبع إلا الدليل من الكتاب أو السنة أو آثار السلف الصالح، ويستأنس بأقوال التابعين أساسًا وربما جاز التقليد في فروع الدين من غير أصوله لأن العقيدة أصل الدين.