ويرى ابن تيمية أن"منهاج القرآن"ليس هو منهج الفلاسفة ولا المتكلمين ولا الماتريدية ولا الأشاعرة، بل هو غيرها، لأن العقائد لا تؤخذ إلا من النصوص ولا تؤخذ أداتها إلا من النصوص، فأصحاب هذا المنهج يؤمنون بالنص وبالأدلة التي يؤمئ إليها النص، لأنه وحي أوحي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن الأساليب العقلية المنطقية مستحدثة في الإسلام ولم تكن معروفة قطعًا عند الصحابة والتابعين.
ولا سبيل إلى معرفة العقيدة والأحكام وكل ما يتصل بها إلا من"القرآن"والسنة المبينة له والسير في مسارهما، فما يقرره القرآن وما تشرحه السنة مقبول لا يصح رده، فليس للعقل سلطان في تأويل القرآن وتفسيره أو تخريجه إلا بالقدر الذي تؤدي به العبادات، وسلطان العقل هو في التصديق والإذغان، وبيان تقريب المنقول من المعقول. وعدم المنافرة بينهما، فالعقل يكون شاهدًا لا حاكمًا ويكون مقررًا ومؤيدًا لا لا ناقصًا ولا رافضًا ويكون موضحًا لما اشتمل عليه القرآن في الأدلة.
هذا هو"منطق القرآن"الذي ينطلق منه مفهوم الفكر الإسلامي وهو غير منطق أرسطو الذي سيطر فترة ما، وعند ابن تيمية أن منهج الفلاسفة مضطرب حين سعوا إلى بناء طريقهم على ترتيب الإقيسة العقلية فقد فاتهم إن العقل وحده عاجز عن درك حقائق الدين، ولابد من النص، وعنده أن العقل يتجه إلى القرآن ويتفهمه بالفكر، أي بموازنة آيات القرآن بعضها ببعض، فيكون تأويل القرآن من القرآن، لا من أقوال الفلاسفة والمتكلمين. ويأخذ ابن تيمية على الفلاسقة طريقهم في التفكير والمقدمات التي يبنون عليها النتائج التي وصلوا إليها. ويرى أن القرآن والسنة قد أشارا إلى"المقدمات"التي تهدي إلى سواء السبيل.
وجملة منهج ابن تيمية:"إن الفساد لم يأت من قبل النصوص فهي حق في معناها ولا تحتاج إلى تأويل، وإنما جاء من حملها على معان فاسدة ليست معانيها المرادة بها"وبذلك حرر ابن تيمية الفكر الإسلامي من الأزمة التي مرت به حين يقوم من يدعو إلى رأي منحرف فيستغل النصوص ويلوي أعناقها والإسلام بعد ذلك سمح رحب، سائر بالحياة، متصل بها، مفتوح الآفاق على الفكر الإنساني كله.
رابعًا:
يرى الكثيرون أن"ابن خلدون"لا يعدو كونه مؤرخًا إسلاميًا، أو واضع علم الاجتماع الإسلامي، وتلك حقيقة أعترف بها عدد كبير من الباحثين الغربيين المنصفين، بعد أن أنكره بعض أهله من الباحثين العرب وأوسعه ذمًا وانتقاصًا وهو طه حسين.
غير أن ابن خلدون لا يرى منفصلًا عن مجرى الفكر الإسلامي. ولا يمكن تناوله إلا من خلال تحديات عصره وجيله. فقد جاء ابن خلدون في القرن الثامن الهجري وقد تغير"عالم الإسلام"تغيرًا كاملًا، بعد أن مرت به جحافل الصليبيين والتتار وصارعته وبعد أن غلب عليه طابع جديد: ساير مرحلة العصر العثماني غلب فيه الجانب العقلاني، وبدأ كأنما يواجه الفكر الإسلامي أزمة من أزماته.
وقد كان ابن خلدون على مستوى الثلاثة الكبار (ابن حزم والغزالي وابن تيمية) في تجديد الفكر الإسلامي حين هاجم أسلوب الجدل اللفظي والمماحكات اللفظية في التأليف والشرح والتعليم، وأنكر منهج التقليد ودعا إلى التماس منابع الفكر الإسلامي في الإسلام نفسه. وأنكر الطريقة التي شاعت في عصره.. طريقة الجمع والاختصار واعتماد كل العالم على علوم من سبقه والوقوف عندها. ودعا إلى طريقة التماس المصادر الأساسية، وعقد في مقدمته فصلًا هاجم فيه كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم وقال إنها مخلة بالتعليم، ونقد التعليم في عصره وبين الطرق الصالحة فيه، وهو أخطر الأدواء التي عرفها عصره.
وكان ابن خلدون على قدر وافر من الإحاطة بالحركة العلمية في العالم الإسلامي كله، فلم يتقوقع ويقف عند بيئته وحدها، بل أحاط وواصل الإحاطة بكل الحركات العلمية في بلاد المسلمين من مشرقها إلى مغربها وفي بلاد أوربا أيضًا.
وقد كان ابن خلدون وسطًا بين رأي ابن رشد في الفلسفة ورأي الغزالي في التصوف فلم يذهب إلى الفلسفة ذهاب ابن رشد ولم يعارض التصوف وأخذ فيه بمنهج الغزالي.
وإذا كان الفكر الغربي قد أفاد من حصيلة الفكر الإسلامي في مجال"منهج العلم التجريبي، الذي أنشأه المسلمون، فإن عصارات ضخمة من الفكر الإسلامي في مجال الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتربية قد حصل عليها الفكر الغربي وحاول الإدعاء بأنه مبتدعها أصلًا وكتابات ابن سينا والغزالي وابن خلدون والماوردي وعشرات غيرهم قد كانت (الأصول المؤصلة) لعشرات من النظريات العلمية الحديثة في مجال الفكر."
وآراء ابن خلدون في طليعة هذه الحصيلة فهو:
أولًا: اكتشف نظرية الأجيال الخاصة بظهور الأسرار ونهضوها قبل أن يعرفها (أوتوكار لوتيس) في أواخر القرن التاسع عشر.
ثانيًا: عرف ابن خلدون قانون (التشبه بالوسط) قبل أن يعرفه العالم الطبيعي (دارون) بخمسة قرون.
ثاليًا: اكتشف مبدأ وجود المادة قبل أن يكتشف ذلك العالم الألماني أرنست هيجل بأكثر من خمسة قرون أيضًا.