رابعًا: سبق ميكافيلي ومونتسكيو وفيكو في وضع أصول الاجتماع.
خامسًا: اكتشف مبادئ العدالة الاجتماعية قبل كونسبدران وماركس وباكوتين بخمسة قرون.
سادسًا: اكتشف مبدأ الحتمية الاجتماعية قبل رجال الفلسفة الإسبانية وعلم النفس بقرون عديدة. وقبل مونتسكيو. وأعلن تبعية المجتمعات لقوانين ثابتة في القرن الرابع عشر الميلادي.
سابعًا: أدرك أن علم الاجتماع يضم مظاهر كثيرة كعلم السياسة والاقتصاد والعلم والتعليم وبعد بخمسمائة عام قال الفكر الغربي أن العلوم كلها مظاهر من علم الاجتماع.
ثامنًا: قوى من الروح التجريبية والنظر العلمي الواسع الأفق.
خامسًا:
الإمام الغزالي - البحث عن الحقيقة:
"... وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى. وإن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود. والإقبال بكنة الهمة إلى الله تعالى. وإن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال والهرب من الشواغل والعوائق. ثم لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من جميع الجوانب، ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة، ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أنني على شفا جرف هار، وأني قد أشرفت على النار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال، فلم أزل أفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارق تلك الأحوال يومًا، وأحل العزم يومًا، وأقدم فيه رجلًا وأوخر عنه أخرى، لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملة فتغيرها عشية، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل، فإن لم تستعد من الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذي العلائق فمتى تقطع؟ فبعد ذلك ينبعث العزم على الهرب والفرار. ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، وإياك أن تطاولها فإنها سريعة الزوال، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي من التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي من منازعة الخصوم، ربما لا يتيسر لك المعاودة. فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبًا من ستة أشهر، آخرها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى حد الاضطرار، إذ قفل الله علي لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يومًا واحدًا تطبيقًا لقلوب المختلفين إلى، فكان لا ينطلق لساني بكلمة ولا أستطيعها البتة، ثم اورثت هذه العقلة في اللسان حزنًا في القلب، بطلت معه قوة الهضم، وقرب الطعام والشراب، فكان لا تستساغ لي شربة ولا تنهضم لي لقمة، وتعدي ذلك إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج. وقالوا هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إلى العلاج".
هذا هو أعظم حادث، على وجه التحقيق، في حياة الإمام الغزالي، تحولت به نفسه وعقله وحياته من وضع إلى وضع. وهذه الصفحة من مذكراته تكشف عن طبيعته وكيف أخذت تنتقل حثيثًا من الفلسفة
إلى التصوف، إذ خلع"الغزالي"على أثر هذه"العقلة"رداءه الذي اتشح به أربعين سنة، وترك العلم، وهجر بغداد، وساح في الأرض حتى بلغ منارة مسجد دمشق، وبينها وبين الصخرة في بيت المقدس وضع أعظم آثاره، وأجل مؤلفاته:"إحياء علوم الدين"الذي كان بعيد الأثر في تاريخ الفكرة الإسلامية.
واستطاع الغزالي بكتابه"الإحياء"أن يفصل في القضية التي ظلت أكثر من ثلاثة قرون موضع الخلاف بين أنصار الفقه وأنصار التصوف.
هذه القضية التي وصل فيها الخلاف أشده وأقصاه، واتسعت فيها شقة الجدل، وبلغت المساجلات إلى أبعد حدود الهجاء والصراع.
كل من الفقهاء والمتصوفة يرى نفسه على الحق، وقف الفقهاء ينقضون آراء الصوفية ويرونها زيفًا في الدين، وقال الصوفية أن الفقهاء لا يؤمنون إلا بظاهر الشرع.
ثم جاء الغزالي فحسم المسألة، وفصل في القضية، وقضى بأن الفقه والتصوف ليسا شقين للإسلام، وأنهما لا سصطدمان ولا يختلفان، وكان كتاب"الأحياء"صورة واضحة لهذا الفهم الجديد.
مفتاح حياة الإمام الغزالي هو البحث عن"الحقيقة". وقد كلفه هذا مشقة وأهوالًا كبارًا، فقد قضى زهرة عمره باحثًا منقبًا، مسافرًا متنقلًا، حتى وصل أخيرًا.
حاول الوصول إلى"الحقيقة"عن طريق العقل والمنطق والفلسفة. ثم حاول ذلك عن طريق العلم والتصوف والروحية، وظل بين موجات الشك العاصفة، ولمعات اليقين الصادقة، خلال فترة شبابه الحاد القوي.