فهرس الكتاب

الصفحة 14440 من 27345

حركة النفاق في السيرة النبوية، دلالات وأبعاد

د . عبد الحكيم الصادق الفيتوري مدير مركز المنار بمدينة كاردف - بريطانيا 27/10/1424

لقد تقرر في محكمات الشريعة أن الإيمان تصديق بالقلب ، ونطق باللسان ، وعمل بالجوارح ، وأن هنالك علاقة تلازم قوية بين الظاهر والباطن ، فما وقر في القلب ظهر على الجوارح ، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( ألا إن في الجسد مضغة إن صلحت ، صلح الجسد كله ، وإن فسد فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب) (1) .

ولهذا اكتفت الشريعة الإسلامية بإجراء أحكام الإيمان والكفران على الظاهر ( بقيوده وشروطه المعروفة ) دون تتبع مسارب الباطن ، لأن الباطن لم يجعل الله لنا عليه سبيل ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: ( أمرنا بالظاهر وسرائرهم إلى الله ) . وفي حديث أخر نهى بعض الصحابة عندما أرادوا إهدار الظواهر وتتبع البواطن ، فقال لهم: ( لم نؤمر بشق الصدور ) .

من هذا المنطلق يمكن لنا أن نتناول طائفة النفاق في عهد النبوة التي أظهرت الانتساب إلى الإسلام في الظاهر وأبطنت الكفر به والحرب عليه . فما هي حركة النفاق ، ومتى ظهرت ، وما هي أهدافها الاستراتيجية القديمة الحديثة ؟!

أولا: حركة النفاق:

لقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة جدا ، بل سورة بأكملها تناولت حركة النفاق وسماتها ، وأهدافها الاستراتيجية التي تسعى لتحقيقيها في إطار المجتمع الإسلامي . ولقد حذر القرآن الكريم من النفاق وصفات المنافقين في أكثر من سبع عشرة سورة مدنية من ثلاثين سورة ، واستغرق ذلك قرابة ثلاثمائة وأربعين آية ، حتى قال ابن القيم رحمه الله: (كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم) . (2) إلا أن جل معاني الآيات التي تناولت حركة النفاق كحركة سياسية قد حددت أبرز معالمها النفسية والسلوكية في إطار الازدواجية بين الظاهر والباطن ، والتناقضية بين الاعتقاد والسلوك ، كما قال تعالى محدد ذلك الإطار المعنوي: {إذا جاءك المنافقون ، قالوا نشهد إنك لرسول الله ، والله يعلم إنك لرسوله ، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } !!

أما عن معالمها السياسية فقد اتخذت حركة النفاق (في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ) أسلوبا ماكرا تمثل في إيجاد هوامش واسعة للتحرك بين أمة الإسلام وأعداء الأمة لتشكيل جبهة داخلية معادية للمشروع الإسلامي في إطار دولته وقيم مجتمعه ، كما قال تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة …} . (3) جنة حماية ووقاية من كشف أجهزة الأمة الإسلامية لدورهم العدائي للإسلام وقيمه {وإذا قيل لهم أمنوا كما أمن الناس ، قالوا أمنا ؟!!} زيادة في التلبيس والتدليس لتحقيق مأربهم المشبوهة { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم !!! إنما نحن مستهزؤون} !!

أما إذا خلا بعضهم إلى بعض أظهروا حقيقة ما يعتقدون ، من الكفر بهذا الدين ، ومعاداة قياداته ، ومحاربة دولته ، والوقوف مع أعداء الأمة والمناوئين لها لتحقيق ذلك … وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون … نسوا أنهم يحاربون الله … الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون … يخادعون الله … والله خادعهم .

فمن هو زعيم حركة النفاق الأولى ؟!

لا يخفى أن بروز حركة النفاق إلى حيز الوجود كان من خلال شخصية زعيمها وليس من خلال فكرة ومنهاج مطروح للنقاش والأخذ والعطاء فيه ، وهكذا حركات النفاق على مر التاريخ - دائما وأبدا - أنها حركات مأجورة تقف بين ثوابت الأمة المسلمة وبين أعدائها ، فهي حركة مريضة مرضا مزمنا في القلب { في قلوبهم مرض } محل الفهم والتدبر ، قال تعالى: { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } !! فمرضهم هذا ليس مرضا عارضا ، بل هو مرض مزمن أصلي في جبلتهم ، قال تعالى: { في قلوبهم مرض } أصلا { فزادهم الله مرضا } تبعا عقوبة لهم !!

بيد أننا لابد من الوقوف على أبعاد شخصية زعيم حركة النفاق الأولى كما صورها القرآن الكريم وقفة تأمل وتحليل ، وفك وتركيب لتعدية ظلال هذه الصورة المرضية على من حولنا ممن تحلوا بصفات أولئك القيادات النفاقية ، وإسقاط دلالتها العقدية وأبعادها السياسية على حياتنا العملية المعاصرة .

الملف الشخصي لزعيم حركة النفاق الأولى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت