من مسلسل الهجوم التافه على الإسلام من أبنائه
أ.
د/إبراهيم عوض
كنت أبحث منذ عدة أعوام في مكتبة جامعة"أم القرى"بالطائف عن كتاب لوالتر سكوت الروائى الإنجليزى المشهور، فإذا بى أعثر بدلا منه على كتاب"Islamic History- A New Interpretation" (مطبعة جامعة كمبريدج 1980م) للدكتور محمد عبد الحى شعبان، الذى كان يشتغل في جامعة إكستر البريطانية أستاذا للتاريخ الإسلامى ورئيسا لقسم اللغة العربية ومديرا لمركز دراسات الخليج العربى. وكنت قد سمعت به وأنا في بريطانيا (1976م- 1982م) سماعا عارضا، وكان ذلك في سياق الحديث عن تهجمه على الرسول عليه الصلاة والسلام واتهامه له بأن غزواته كانت في الواقع عملا من أعمال قطع الطريق، وهو ما أثار شهيتى لقراءة ما كتبه الرجل عن الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الكتاب، وهو في الفصل الأول منه. وقد قرأت الفصل، وكان لى عليه عدد من المراجعات والتعليقات: بعضها خاص بالمنهج، وبعضها يتصل بالأفكار ذاتها، ولسوف يرى القارئ من خلالها مدى التفاهة الفكرية والسطحية المنهجية التى يعالج بها دينَ محمد كارهوه رغم تصايحهم دائما بالمنهجية العلمية، فهم كلهم من طينة واحدة.
أولى الملاحظات أن المؤلف على طول الفصل الذى نحن بصدده، وهو أساس الكتاب (لأن الكتاب يتناول تاريخ الإسلام، والفصل يتعلق بنبى هذا الإسلام ورسوله) لا يذكر أى مصدر، بل لا يستشهد بأى مرجع عربى، اللهم إلا"قتوح البلدان"للبلاذرى. وفى أى شىء؟ في معلومة جانبية تافهة هى أنه كان لليهود مركز تجارى في الطائف، بل إنه لم يكلف خاطره أن يذكر نص ما قاله البلاذرى في ذلك، واكتفى بما فهمه هو من كلام الرجل. وكل مراجعه في هذا الفصل مقالان لكِسْتَرْ وآخر لسرجنت، وثلاثة كتب لمونتجومرى وات، وكتاب لبيلاييف. وهذه الكتب هى كتب تحليلية بالدرجة الأولى، فهى لا تقدم معلومات بل تطرح آراء وتفسيرات، وتنطلق كلها تقريبا من التفسير الماركسى للتاريخ وحركة المجتمعات. علاوة على أن مقال سرجنت ليس في صلب الموضوع، بل عن"الحَرَم"و"الحَوْطَة". ومع هذا كله، وهو مخجل، فإن المؤلف، في مقدمة الكتاب، يدَّعى بجرأة يُحْسَد عليها أنه قد رجع إلى كل المصادر والمراجع المتاحة! أهذه بالله هى كل المصادر والمراجع المتاحة في الموضوع لأستاذ جامعى متخصص؟ يا ضيعة العلم والمنهج العلمى!
الكاتب إذن يسطّّر فصلا كاملا عن أول وأهم وأخطر شىء في التاريخ الإسلامى بهذه الخفة وتلك اللامبالاة، وكأنه يكتب موضوعا في مادة التعبير عن جمال القمر، أو عبير الورد في البستان، أو المقارنة بين السيف والقلم. أهكذا يكتب التاريخَ أساتذةُ التاريخ؟ إن كان هذا هو المنهج العلمى في كتابة التاريخ أو أى فرع آخر من فروع المعرفة فقل: يا رحمن! يا رحيم! أين القرآن الكرم وتفسيراته؟ أين أحاديث النبى الذى يدور حوله هذا الفصل؟ أين كتب السيرة النبوية والغزوات وطبقات الصحابة؟ أين كتب الطبرى وابن الكلبى والواقدى وابن حزم وابن الأثير والمقريزى...إلخ؟ لا شىء من هذا كله ولا من غيره بالمرة! (يمكن الرجوع مثلا إلى كتاب"مصادر السيرة النبوية وتقويمها"للدكتور فاروق حمادة/ دار الثقافة/ الدار البيضاء/ 1400هـ- 1980م، حيث يعرض المؤلف ويناقش عددا كبيرا من المصادر والمراجع الخاصة بسيرة النبى عليه السلام ومدى وثاقة كل منها) . هذا، والكاتب بَعْدُ هو أستاذ في جامعة بريطانية شهيرة، وليس مدرسا في مدرسة ابتدائية أو إعدادية. فهل هذا هو المنهج الذى يعلمه لطلبته في الجامعة والدراسات العليا؟
والذى يقرأ الفصل الذى بين أيدينا سيجد د. شعبان يصول ويجول كما يحلو له دون أى قيد، فقد نبذ مصادر الدراسة ومراجعها وراءه ظِهْرِيًّا، وأخذ يسود من الصفحات ما يحلو له ويملؤها بالكلام الذى يعجبه دون رقيب أو حسيب! ولسوف يشعر القارئ بدُوَار هائل من غياب الإحساس بمسؤولية العلم والقلم ومن جرأة المؤلف على الحقائق والتاريخ وشخصية الرسول صلى الله عله وسلم جرأةً يصعب أن نجد لها نظيرا بين من يكتبون التاريخ. إن حَقَدَة المستشرقين والمبشرين لا يفوتهم، رغم سوء نيتهم وخبث كيدهم، أن يذكروا مصادرهم ومراجعهم ويسوقوا كل ما يعين على مراجعتها كى يتمكن القارئ من العودة إليها بنفسه إذا أراد، بغض النظر عن أنهم قد يملخون النصوص من سياقها أو يتلاعبون فيها بطريقة أو بأخرى أو يضفون عليها تفسيرا ليست منه ولا هو منها. أما المؤلف، وهو ذو أصل إسلامى، فإنه يتجاهل هذا كله، وينطلق فيكتب، كما قلت، عن أخطر وأهم وأول شىء في التاريخ الإسلامى دون الاستنادة إلى أى مصدر أو مرجع عربى، بل ولا إلى أى مرجع أوربى يقدِّم حوادث العصر الذى يدور حوله الفصل وأخبار سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم!