فهرس الكتاب

الصفحة 14276 من 27345

الخطبة الأولى

الحمد لله الآخر الأول، الذي لا يزول ملكه ولا يتحول، صرف الخلائق بين رفع وخفض، وبسط وقبض، وإبرام ونقض، وإماتة وإحياء، وإيجاد وإفناء، وإسعاد وإضلال، وإعزاز وإذلال، يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير، مبيد القرون السالفة ومهلك الأمم المخالفة، لم يمنعهم منه ما اتخذوه معقلا وحرزا، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا، بتقديره النفع والضر وله الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.

وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله إلى الخلق أجمعين، المنزل عليه نبأ القرون الاولين، سيد العرب والعجم، المبعوث إلى جميع الأمم، وعلى آله وأصحابه أعلام الهدى ومصابيح الظلم،

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ {20} كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ {21} المجادلة

عباد الله:

ها هي القوات الصليبية الغازية لا زالت تحاول بكل شكل، إنزال الهزيمة بالعراق، وقد فقدت صوابها وبدأت في التدمير والتقتيل بصورة همجية وحشية، بعد ما رأت من قوة التصدي التي أبداها العراقييون، وبعد أن شعرت بشيء من الإخفاق في تحقيق أهدافها في الأيام الأولى التي وعدت من قبل بأنها ستنهي هذه الحرب خلالها، وهاهم إخوان لنا يواجهون آلة حربية مدمرة فتاكة، نسأل الله جل وعلا أن ينزل بها الهزيمة الماحقة، وأن يردها على أدبارها، وأن يكشف ظهورها للمسلمين، وأن يجعل من آلتها وعددها، وعدتها غنيمة للمسلمين.

دك العراق بذنب غير مقترف وأصعر الخصم خديه من الصلفِ

فيا عراق دموع الحزن نسكبها على ثراك بدمع هاطل وكفِ

وياعراق بديع الشعر نُنشده على رباك بلحنٍ والهٍ أسفِ

وياعراق حشود الساخطين مشوا وأضربوا عن لذيذ النوم في الغرفِ

فهل ترى ياعراق الحزنَ نجدُتنا وهل ترى حزننا في النائبات يفي

قال العراق وقد جفت محاجره ياضيعة العمر خاب الظن في الخلف

يامسلمون دموع الحزن لو بلغت هام السماء فلن تحمي حمى شرفي

يامسلمون خطيب العرب قد رقصت على صدى قوله الغيداء في هيفِ

يامسلمون قوافي الشعر لو جمعت في ألف ملحمةٍ لن ينطفي لهفي

عباد الله: ونحن نعيش قلب المعركة، لا بد لنا من التنبه إلى منعطفات خطبرة تمر بنا، علينا أن نحذر منها حتى لا نفقد التوازن الذي يبحر بنا إلى شاطئ آمن في هذه المعامع، وإليكم عباد الله هذه النصائح التي تحفظ توازننا بين طرفين في العلم والعمل:

النصيحة الأولى

حذار ثم حذار يا عباد الله من تعميم الأحكام على طوائف المسلمين من أهل السنة، سواء كانت تلك الطوائف تنتمي إلى بلدان معينة، أو إلى أصول معينة.

وأعني بالتعميم هذا أن نسحب حكمًا واحدًا على فئات هذه الطائفة كلها، صغيرها وكبيرها، ذكرها وأنثاها، بسبب خطأ بعض أفرادها أو حتى كثير من أفرادها.

عباد الله: ومن أمثلة هذا التعميم أن يقول القائل بعد أن رأى أن دولة الكويت مثلا فتحت أرضها وأحلت سماءها للمعتدي الأجنبي حتى ينطلق منها في إهلاك المسلمين، حيث لا خيانةَ أعظم من هذه الخيانة، ولا جرم أبلغ من هذا الجرم، إذ هي مظاهرة للكفار على المسلمين، وقد عد العلماء مظاهرة الكافر على المسلم كفر مخرج من الملة، قال الله جل وعلا (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا {138} الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا {139}

وقال جل من قائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51} فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ {52}

قال ابن جرير الطبري (لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرا وأنصارا توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين ، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك: فقد برىء من الله وبرىء الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر."إلا أن تتقوا منهم تقاة": إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل) والآيات في حكم المظاهرة متواردة، وكلام أهل العلم أكثر من أن يحصى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت