وقفات مع آية فاستقم كما أمرت ) ... ... ... (( فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ) ) [هود 112 - 113] .
النصر والتمكين أمر تشرئب إليه أعناق الموحدين وتتوق إليه نفوسهم منذ أن بعث الله الأنبياء والمرسلين وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد توعد الواحد القهار أن ينصر حملة الحق وأن لا يخذلهم شريطة أن ينصروه وأن يتبعوا النور والهدى الذي أنزل إليهم.
والنص الذين بين أيدينا يوضح جملة من الأمور التي إذا لم يلتزم بها المؤمنون فإن ولاية الله ونصرته لن تكون في جانبهم.
أول هذه الأمور، الاستقامة كما أمرنا، والاستقامة هي الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال [1] ، ولم يكتف الرب - جل وعلا - من ذكر الاستقامة مجردة بل أتبعها بقوله: (( كما أمرت ) )، لهذا نقل المفسرون [2] عن ابن عباس قوله:"ما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية"، ولهذا قال:"شيبتني هود والواقعة وأخواتهما". وروي أن أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب، فقال:"شيبتني هود".
وعن أبي عبد الرحمن السُّلمي قال: سمعت أبا علي السَّرِي يقول: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت: يا رسول الله: روي عنك أنك قلت:"شيبتني هود". فقال:"نعم". فقلت له: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم فقال:"لا؛ ولكن قوله: (( فاستقم كما أمرت ) )".
هكذا أخبر الصادق المصدوق أن هذا الأمر من الله - سبحانه وتعالى - أدى به إلى أن يسرع إليه الشيب مما يبين ثقل التبعة المترتبة على الالتزام بمقتضيات الاستقامة خصوصاً في فترة كتلك التي نزلت فيها هذه الآيات، فترة الاستضعاف والشدة والمساومة على المبدأ.
فهذه الاستقامة يجب أن تكون أمر الله لا كما تهوى الأنفس أو كما يتطلبه واقع المجتمعات الجاهلية والكافرة، وهذا ما جاء موضحاً في موطن آخر في القرآن: (( فلذلك فادع واستقم كما أمرت ) ) [غافر/15] .
وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك: قال:"قل آمنت بالله ثم استقم". وذلك لأن الاستقامة شاملة لكل أمور الدين ويجب أن تصحب كل الأوامر والنواهي التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم -.
يقول البيضاوي [3] موضحاً هذا المعنى:"وهي شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه والتعطيل. بحيث يبقى العقل مصوناً من الطرفين، والأعمال من تبليغ الوحي وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط مفوت للحقوق ونحوها وهي في غاية العسر".
وغاية العسر التي أشار إليها البيضاوي لا تعود إلى عسر الاستقامة في نفسها ولكن إلى قلة من يرعاها حق رعايتها بالثبات عليها أو بلوغ الكمال فيها [4] ، ولعلو مقامها ومقام من يلتزم بها: (( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ) ) [فصلت/ 30] .
الأمر الثاني: عدم الطغيان: والطغيان مجاوزة الحد، قال - تعالى: (( إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ) ). وقال أيضاً: (( فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ) ). قال ابن كثير - رحمه الله - [5] :"يأمر الله - تعالى - رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان وهو البغي فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك...".
وعلى الرغم من أن معنى الاستقامة يتطلب عدم مجاوزة حدود الله والتكبر والتجبر على خلقه فإن المولى أفرد ذلك بالذكر ونهى عنه، وذلك - والله أعلم - لأن بعض النفوس من طبيعتها أن تجنح للتشدد والتنطع، ولا تكتفي بأوامر الشرع في مواجهة القسوة التي تتعرض لها على أيدي الجلاوزة المستكبرين، فاقتضى المقام تذكير الأصحاب والذين يأتون من بعدهم إلى أن تكون تصرفاتهم كلها محكومة بالشرع لا بردود الأفعال وفي ذلك أكبر دليل على خضوع هذه الأنفس ودينونتها لقيوم السماوات والأرض.
الأمر الثالث: النهي عن الركون إلى الذين ظلموا [6] ، الركون لغة هو الميل والسكون [7] ، وحقيقة هو الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به [8] ، ومن ثم فإن معنى الركون يدور حول ألفاظ أربع هي: الميل، والسكون، والاطمئنان، والاعتماد، ولهذا ركز بعض المفسرين على المعنى الأول كالزمخشري ومن تبعه وهناك من شدد على المعنى الأخير وهو الاعتماد والاستناد كصاحب المنار. وعلى كل فإنهم على اختلاف تحريرهم لمعنى الركون، فإنهم متفقون على أنه كبيرة ومحرم.
قال القاسمي - رحمه الله - [9] :"قال بعض المفسرين اليمانيين: الآية صريحة بأن الركون إلى الظلمة محرم وكبيرة، لأنه - تعالى - توعد بالنار: (( فتمسكم النار ) )،"ومن أوجه الركون التي ذكرها المفسرون ما يلي: [10]