فهرس الكتاب

الصفحة 8879 من 27345

عمر عبيد حسنة* 12/6/1424

من أهم الأولويات اليوم المساهمة في تحقيق الوعي الثقافي الإسلامي، وإعادة بناء عالم الأفكار، والدعوة إلى وضع ملامح تخطيط ثقافي إسلامي (استراتيجية ثقافية) يُعيد بناء التصاميم الذهنية الإسلامية ويوفر الطاقات ويهندسها، ويضعها في المجال المُجدي، لتنتهي بذلك مرحلة الرسم بالفراغ، التي ورثناها عن مراحل التخلف، وساهم في تكريسها الغزو الثقافي، الذي لا نزال نُعاني من آثاره على أكثر المستويات، بالرغم من الدعاوى الكثيرة التي تريد أن تُثبت عكس ذلك، ويبقى المطلوب دائمًا مزيدًا من إلقاء الأضواء الإضافية على جوانب المشكلة الثقافية، للوصول إلى إعادة صياغة وتشكيل العقل المسلم، أو إعادة ترتيب العقل العام لِمُسْلِمِ اليوم، وتخليصه من الجزئية المتناثرة، وعجزه عن مواجهة مشكلاته وتحدياته الداخلية منها والخارجية على حد سواء، على ضوء رؤية إسلامية ذات إخلاص وصواب، ودراية وفقه، فيها طرفا المعادلة التي استحال علينا حلها طيلة عصر التخلف والسقوط الحضاري والتي استعاذ منها سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، حيث قال:"اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز التقي".

لذلك كان لا بد من أن نحل المعادلة فنصل إلى مرحلة جلد التقي وعجز الفاجر، بعيدًا عن المواقف التصرفات الانفعالية الخطابية، التي تحرك العاطفة ولا ترشد العقل، وتعتمد التهويل والمبالغة، ولا تخدم القضية الإسلامية، بل على العكس قد تساهم مساهمة سلبية غير مقصودة في تخلف المسلمين.

إن محاولة إعادة ترتيب العقل المسلم، أو إعادة تشكيله أو صياغته، ومنحه القدرة على التخلص من بعض القيود والأسوار، قضية تجد في طريقها الكثير من الصعوبات والركام الذي قد يلبس الأمور ويغيب الرؤية الصحيحة للأشياء، والقدرة على إبصارها ومن ثم تصنيفها، إنها تتعلق بصميم المشكلة الثقافية التي نعاني منها بعد أن زرعت في نفوسنا القابلية لها، وتواضعت عليها القرون.

لذلك كان لا بد من المعالجة المنهجية الحكيمة المتأنية الناضجة، ولا بد من تناول القضية من أكثر من طرف وإلقاء أكثر من ضوء إضافي عليها، واستعمال أكثر من وسيلة، والصبر والاحتمال لما يمكن أن يحدث من خطأ في المقايسة والموازنة، ومن عجز في الإبصار وعثرات على الطريق.

ولكن مع ذلك تبقى القضية ملحة بعد هذا الواقع الثقافي الهجين الذي انتهينا إليه، والذي حمل إلينا ما يفيد وما لا يفيد، ما لنا وما ليس لنا واختلطت فيه المفاهيم.

لقد أصبحت الحاجة ملحة لعملية التنقية الثقافية، وأصبحنا أحوج من أي وقت مضى إلى الذين يحملون عقل المهندس، ومبضع الطبيب. وحرقة الوالدة، على مستوى الفكر والثقافة، ليقوم بعملية الإخلاء والإملاء، أو عملية الهدم المسبوقة بمخطط واضح ومدروس لعملية البناء لأن بعض الناس يحسنون الهدم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولأنه يتناسب مع طبائعهم وانفعالاتهم واستعجالهم لكنهم يعجزون ولا يحتملون البناء، لأن البناء يستدعي التأني والصبر والزمن والنضج، وكلها متطلبات لا تقتضيها عملية الهدم. وتبقى المشكلة في بناء العقلية القادرة على البناء وفي تصويب مسار هذه القدرة.

ونحن نعترف أن ما أصاب العقل المسلم من صدوع ورضوض وكسور وتقطيع، فصده عن المضي إلى غايته ، وحال بينه وبين أداء رسالته، لا يمكن أن يعالج بكتاب أو مقال أو محاضرة أو بحث، وإنما يتعلق الموضوع بصميم المشكلة الثقافية، والمناخ الثقافي أو عالم الأفكار، الذي يشكل المحضن الصحي والضروري لإعادة تشكيل العقل وتربيته ومنحه القدرة على العطاء والحماية من الإنكار من هذا نعاود القول:

بأنه لا بد من أن تأتي المعالجة طويلة النفس، دائبة ومستمرة، تعطي من الزمن والمحاولة ما تستحقه الأمراض المزمنة من الصبر والأناة وبراعة المعالجة، ورسم المنهج الصحيح وتعميق أبعاده، ومتابعة ذلك بأكثر من وسيلة ليتمثله الفرد المسلم فتحصل النقلة المطلوبة ونسترد المواقع المفقودة، ولا نخدع أنفسنا، أو نخادع بالفجر الكاذب الذي يعمي على كثير منا حقيقة النور، وسلامة الرؤية في تحقيق نصر موهوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت