فهرس الكتاب

الصفحة 8880 من 27345

إن العقل الذي لا يتحقق بالرؤية الشمولية الكاملة الترتيب لا يمكنه لانعدام الرؤية الدقيقة لسلم المشكلات التي تواجه عالم المسلمين، وبالتالي فلا يمكن له القيام بعملية"البرمجة"ولا يمتلك القدرة على التصنيف وإعطاء كل مشكلة علامتها ومكانها الذي تستحق والطاقة التي تحتاج، كما أنه لا يمتلك المقدرة على التمييز بين آثار المشكلات التي تنجم عنها وأسبابها التي أوجدتها، وأن معالجة الآثار تعني مزيدًا من الارتكاس ومزيدًا من هدر الطاقات؛ فلابد من اكتشاف الأسباب والعلل ومعالجة هذه الأسباب، وإلى أي مدى يمكن أن يكون الكثير من المشكلات الفرعية أو الجزئية مظهرًا من مظاهر المشكلة العامة، وأن هذه المشكلات الفرعية سوف تغيب عن عالم المسلمين إذا أحسنّا تحديد أبعاد المشكلة العامة وبالتالي أحسنّا معالجتها.

إن دعوتنا إلى إعادة صياغة العقل المسلم أو الوصول إلى العقل المرتب لمسلم اليوم هي دعوة مزدوجة في حقيقة الأمر أو ذات بعدين رئيسين:

01 تصحيح التصور: وذلك بالقدرة على رؤية الخطوط الإسلامية والمسارات الإسلامية متواصلة متكاملة متوازية لا يصطدم بعضها بالآخر لتأخذ بعدها بضبط وربط، والقدرة على تكوين العقلية التي تمتلك أبجديات الثقافة الإسلامية فتحسن القراءة الإسلامية التي تستطيع من خلالها أن تفسر الظواهر الاجتماعية تفسيرًا إسلاميًا، وتصدر عن تصور شامل للكون والحياة والإنسان، ولا تقع فريسة للتفسيرات غير الإسلامية ، كما أنها لا تبقى مهوشة غير قادرة على التوازن والاعتدال .

02 تخليص العقل: من التركيز على النظرة الجزئية، لأن التركيز عليها يؤدي إلى آفات عقلية ليس أقلها العجز والانحسار، كما ويؤدي إلى تضخيم دور بعض الفروع الجزئيات الأمر الذي يقتل الإبداع، ويصيب قدرة العطاء عند الإنسان، ويوقع في التقليد ويحرم صاحبه من الإفادة من جهود الآخرين، سواء أكان ذلك بالتعامل مع التراث أم القدرة على استلهام الكتاب والسنة لمواجهة حاجات العصر المتجددة.

ونحن لا نريد هنا بمطاردتنا لأصحاب النظرة الجزئية المولعين بالتبعيض، الملتزمين بالأبعاض أن ندعو إلى تستطيع المعرفة العلمية وتمديدها في عصر التخصيصات الجزئية والعجز الفردي عن الاستيعاب والأداء الفردي الشامل والمجدي.

وإنما الذي نريد له أن يكون واضحًا أن الكلام هنا في مجال البنية الثقافية، وهي أمر آخر لا تشكل المعرفة العلمية الأكاديمية إلا حيزًا بسيطًا منه على ضرورته وأهميته.

لذلك نرى أنه لا بد من ثقافة عامة، ونظرة شمولية وعقل مرتب متوازن قادر على النظرة العامة إلى جانب التخصص العلمي ببعض الجوانب؛ فالعلم شيء والثقافة التي تستطيع توظيف هذا العلم والإفادة منه شيء آخر.

ويمكن لنا أن نأتي بمثال على ذلك:

إن العالم اليهودي الذي اخترع مادة متفجرة جاءت كثمرة لتخصصه العلمي، كان إلى جانب هذا التخصص العلمي الدقيق يتمتع بثقافة توراتية ورؤية دينية توجه ملكاته وتوظف تخصصاته للعمل على تحقيقها، وذلك في الوصول إلى أرض الميعاد وإعادة بناء الهيكل، إنه لم يكن عاجزًا عن توظيف مخترعه العلمي من خلال تلك الثقافة، لقد فرض على الحلفاء في الحرب العالمية أنه لن يبوح لهم بسر المخترع الذي يمكنهم من النصر ما لم يأخذ عليهم العهد في تأييد حق اليهود في فلسطين؛ وهذا الذي كان!، وقدم هذا العالم لأبناء دينه ما لم يستطع تقديمه جيش من الجهلاء أو العلماء الفاقدين للبصيرة والثقافة، والذين لا تزيد علومهم عن أن تكون نسخًا جديدة مما قرؤوا أو معاجم جامدة في المكتبة!.

أين هذا من بعض مسلمي اليوم الذي جاءت مكوناتهم الثقافية ثمرة للسقوط الحضاري والتخلف الثقافي والعجز العقلي؟! حيث يرون بأن أمر الدعوة إلى الله يتعارض مع متابعة التخصص العلمي فيدَعون الجامعات وقد يكونون في السنوات الأخيرة ليتفرغوا بزعمهم إلى أمور نشر الدعوة الإسلامية، وكأن الجهل وعدم النبوغ العلمي أصبح في نظرهم ضربة لازب لنجاح أمر الدعوة الإسلامية!!.

أليست هذه حالة محزنة وثقافة محزنة وواقع أليم؟!.

* عن مقدمته لكتاب: (حول تشكيل العقل المسلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت