فهرس الكتاب

الصفحة 3499 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

لقد كان وراء كلّ مذهب أدبيّ عرفه الغرب قديمًا وحديثًا مذهب فلسفيٌّ يمدّه بالتصوّرات والأشكال والمعاني، ويرسم له مصادر الجمال وموازينه. فالمذهب الأدبيّ الكلاسيكي كان وراءه بعض المذاهب الفلسفية اليونانيّة والرومانيّة. فاعتمد هذا المذهب تقديس الأقدمين وسيادة العقل على العاطفة. والمذهب الرومانسي قام على أفكار جان جاك روسو وشاتوبريان وغيرهما. والمذهب الواقعي تأثّر بالفلسفة التجريبية وفلسفة إيمانويل كانت وغيرهما. ثمّ توالت المذاهب الأدبيّة ينقض بعضها بعضًا، كما توالت المذاهب الفلسفية معها. فجاء المذهب البرناسي والمذهب الرمزي ومذاهب الحداثة الأخرى، ثمّ البنيوية والتفكيكية وغير ذلك.

فإذا حقَّ لهذه المذاهب الفلسفيّة أن تدفع مذاهب أدبية وتصوغ لها تصوّراتها، فإن الإسلام له الحقّ الأول في أن يدفع للبشرية أدبًا نابعًا منه تصوّرًا وفكرًا ولغةً وجمالًا. هذا الأدب هو الأدب الذي يلتزم الإسلام حقيقة لا شعارًا وزخارف. ولا يستطيع الأدب أن يلتزم الإسلام إلا إذا التزم الأديب نفسه الإسلام، ليكون الأدب صورًا حقيقية ملتزمة بفكر وعاطفة وسلوك، وبنهج وبذل وعطاء.

لقد مثّل هذا الأدبَ الملتزمَ بالإسلام شعراءُ الرسول صلى الله عليه وسلّم وخطباءُ المسلمين من الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين. وامتدت القافلة مع الزمن بعد ذلك بين قوة وضعف على قدر المواهب والظروف التي تمرّ بها الأمة.

وكان جميع هؤلاء ينهلون من منهل عذب واحد لا ينفد أبدًا. كانوا ينهلون من الكتاب والسنة من خلال مصاحبة منهجيّة غنيّة ممتدّة في حياة المؤمن امتداد تدبّر ووعي، وامتداد ممارسة حيّة في الواقع.

لقد نقل الإسلام الأدب نُقلة واسعة جدًّا لم يحدث مثلها في التاريخ البشريّ. فقد نقل اللغة العربية من كونها لغة شعب واحد إلى كونها لغة الوحي المتنزّل من السماء ولغة القرآن الكريم، ولغة النبوة الخاتمة، ولغة العبادة لكل مسلم أبد الدهر. لقد أصبحت لغة الإنسان، الإنسان المسلم، لغة أمة واحدة امتدت أعظم امتداد عرفه التاريخ البشري. لقد أصبحت لغة رسالة ربّانيّة يحملها المؤمنون عبادة وطاعة لله على امتداد الأرض والزمان.

ونقل الإسلام الإنسان كذلك نُقلة واسعة جدًّا، حين أعطاه التصوّر الحقّ للكون والحياة، للدنيا والآخرة، للموت والبعث والحساب والجنة والنار. فدخلت هذه في صميم التصورات الأدبية ألفاظا وصياغةً ومعاني وظلالًا، فكرًا وعاطفةً، بذلًا وأماني. ونقل الاقتصاد والسياسة والاجتماعَ ونظرياتها نقلة عظيمة كذلك.

ومع امتداد الرسالة نقل الإسلام المجتمع العربيّ كلّه هذه النُقلة الواسعة، ثمّ امتدّ لينقل الإنسانية كلّها، وما زال يمتدّ، على سنن ربّانيّة، وحكمة لله بالغة وقدر غالب وقضاء نافذ.

هذه النُقلة العظيمة للّغة والإنسان والمجتمع والأمة كلّها، وللفكر والتصور. هذه النُقلة العظيمة نقلت معها الأدب نقلة رائعة عظيمة، لا يكاد يدرك عظمتها إلا من يؤمن بالرسالة ويدرك الفرق الشاسع الهائل بين الجاهليّة وبين الإيمان والتوحيد.

إنّه الشرف العظيم للإنسان حين ينتقل هذه النقلة ويمتد معها، فَيُثري المجتمع البشري بالعطاء الحق والصلاح والخير، ويدفع عنه الشرّ والفتنة والفساد.

إن المصدر الحقّ للأدب الملتزم بالإسلام هو الكتاب والسنّة كما جاءا باللغة العربية. إنه الأساس والمنطلق للفكر والتصوّر والممارسة والموقف. إن المنهاج الربانيّ ـ قرآنًا وسنّة ولغة عربيّة ـ هو الحقّ المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إنه المنهج الكامل الشامل المترابط المتناسق. إنه النبع الغنيّ الصافي الذي لا ينقطع مدده أبدًا، ماضيًا مع الدهر، ليس للبشرية كلّها مصدر سواه يجمع لها الحقّ لتخضع له وتتبعه دون سواه. إنه النبع الذي ينهل منه الناس في مختلف ميادين الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبيّة وغيرها. إنه يجمع هذه الميادين كلّها في منهج واحد شامل، يبدو لك إن أردت التربية فكأنه كتاب خاص بالتربية، وإن أردت علم النفس فكأنه أعظم كتاب في علم النفس. وإن أردت السياسة أو الاجتماع أو الأدب أو غير ذلك فهو ما أردت. فكان من أهم مظاهر الإعجاز في كتاب الله جمعه هذه الميادين كلّها في منهج واحد، حتى ليبدو أن الإعجاز خاص وبارز بكلّ ميدان وحده، وفي الوقت نفسه يبدو الإعجاز في عظمة الجمع والتكامل، فجاء مع سائر نواحي الإعجاز في أسلوب معجز يتحدّى الله سبحانه وتعالى به الجنّ والإنس.

قدّمت الفلسفات المختلفة منذ القديم تصوّراتها في الفن والجمال. فجاءت هذه التصوّرات مضطربة متناقضة. فالجمال عند أفلاطون يُرَدُّ إلى المثل الخالد وهو من بقايا ذكريات الروح، ويفسّر ذلك بنظرية المحاكاة. وأما أرسطو فنقض نظرية المحاكاة وعالم المثل واهتم بالواقع، وكان الجمال عنده تناسق التكوين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت