فهرس الكتاب

الصفحة 3500 من 27345

وازداد الاضطراب مع الزمن. فربط"بومجارتن"في القرن الثامن عشر الجمال بالحسّ والشعور، ووضع مصطلح"الاستطيقا Aesthetics". والجمال عند"ديدرو"مبعثه إدراك العلاقات بين الأشياء وفرّق بين الجمال واللذّة. وجاء"كانت"ليدفع الفلسفة المثالية في الفنّ وفي الأدب والنقد دفعًا قويًا لتنتشر في أوروبا وأمريكا، وليعتبر الفنّ غاية في ذاته. فالعمل الفنيّ عنده له وجوده المستقل في ذاته. وتأثّر بهذه المدرسة كثيرون، منهم"مدام دي ستايل"و"فكتور كوزان"و"تيوفيل جوتييه". و"جوتييه"هو الذي يقول:"لا وجود لشيء جميل حقًا إلا إذا كان لا فائدة له. وكلُّ ما هو نافع قبيح". ويرى"فيخته"الألماني، وهو تلميذ"كانت"، أن الفنّ هو تحرير الذات. ويقول الفيلسوف الألماني شوبنهاور: إِن الجمال هو في التأمل الخالص روحيًَّا دون أن نمزج به إرادتنا، فألغى إرادة الإِنسان. ومضى هيجل في الفلسفة المثاليّة، وظنّ أن الفنّ مرَّ بمراحل ثلاث: الشرقي والمصري، اليوناني، النصراني، من خلال العلاقة بين الفكرة والمادة. ففي الفنّ الشرقي والمصري طغت المادة على الفكرة فجاء الفنّ في أشياء ضخمة، وفي النصراني طغت الفكرة على المادة كما في الرومانسية، وأما في اليوناني فكان التوازن بين الفكرة والمادة فبلغ الفنّ أعظم درجاتِه، كما يظنّ ظنًا باطلًا، وتجاهل في تَصَوُّر الفنّ الشرقيّ رسالة الأنبياء الذين توالوا في التاريخ البشري وملؤوه. ورأى هيجل أن الجمال له وجوده المستقلّ، فيخالف الجمالُ بذلك الحقيقة. فالجمال له وجود حسِّي عنده، والحقيقة لها وجود ذهني. وجاء بعد ذلك"بندتو كروتشيه"الذي يرى أن الفنّ ليس محاكاة للطبيعة بل هو مستقل عنها، والعمل الفنّي ليس ثمرة العاطفة والشعور، ولكنه نتيجة ذكاء وفكرة وإرادة. ثم جاء"ت. إِس. إِليوت"وغيره ممن زادوا تناقض الأفكار واضطرابها حول الفن والجمال.

فإذا كانت هذه الفلسفات المتناقضة المضطربة قدّمت هذه التصورات المتناقضة المضطربة للفنّ والجمال، فإِنَّ الإِسلام أحقُّ وأولى أن يقدّم تصوره للفنّ والجمال، وأن يُقدم نظرياته وقوانينه. ذلك أن تلك التصورات العَلمانيّة الوثنيّة الغربيّة تسلّلت إلى العالم الإسلامي حين وجدت الساحة تكاد تكون خلوًا من منافسة حقيقية: وتبنَّى كثير من المسلمين تلك التصورات الغربية، وأصبحت أساس المناهج في دراسات الفن والجمال، ومصدر العطاء. فالتصور اليوناني الوثنيّ الذي تُرْجِمَ خطأ بالملحمة ما زال معتمدًا، وما زال بعض المسلمين يغضبون لمخالفة هذا التصور اليونانيّ الوثنيّ الذي تتبناّه الحَدَاثة كذلك، ولا يغضبون حين يُلْغَى الوزن والقافية من الشعر العربي.

وإِذا كان لدراسة الفن والجمال في الغرب هذه المسيرة التي أوجزناها، فقد كان لها مسيرة أُخرى مغايرة في تاريخ المسلمين، مسيرة يُوجِّهها التصوّر الإِيمانّي، ويدفعها منهاج الله، وتغَذِّيها قلوب المؤمنين، فلا يقع الانحراف عن ذلك إلا لحظات خاطفة.

وعلينا اليوم، امتدادًا لتاريخ المسلمين، أن نطرح تصوّرات عن الفنّ والجمال نابعة من منهاج الله، لتقف أمام التصوّرات المنحرفة.

فكما ذكرنا، فإنا نؤمن أن المنهاج الربانيّ ـ قرآنًا وسنّة ولغة عربيّة ـ هو أساس الفكر والتصور والموقف والممارسة في جميع ميادين الحياة. والفنّ والأدب ميدان هام من هذا الميادين في الواقع البشري. فكيف ينظر الإِسلام إِلى الفنّ، ومن ثمّ إِلى الأدب، وكيف يكون الالتزام بالإِسلام هنا وهناك ؟!

"الفنّ هو التعبير عن قضيّة أو موضوع بوسيلة طاهرة مباحة، وبأسلوب يرقى بالتعبير إلى درجة من الجمال المؤثر في نفس الإِنسان، ومن ثمّ في واقعه، في المجتمع والأمة والناس بعامة، ليساهم الفنّ في بناء حضارة إيمانيّة طاهرة نظيفة، وحياة إنسانيَّةٍ كريمة تنعم بالعدل والحقِّ، وتحفظ للإنسان كرامته التي كرّمه الله بها، وتحفظ حقوقه التي منحها الله له، وتوفّر الحرّية المنضبطة بضوابط الإسلام، وتوفّر المتعة الحلال التي أحلها الله لعباده، وتوفّر الأمن والأمان، وليعين هذا كله الإِنسان على الوفاء بعهده مع الله سبحانه وتعالى: عبادةً وأمانةً وخلافةً وعمارةً للأرض بالإيمان والتوحيد وحضارتهما، وذلك كله من خلال ممارسة منهاج الله ممارسة إِيمانيّة شاملة في جميع ميادين الحياة"

فالفن إِذن يقوم على عناصر واضحة وأسس جليّة نوجزها بما يلي:

التعبير، الوسيلة، الأُسلوب، الأهداف، ليكون له رِسالة واضِحة في الحياة تُحدِّد له أهدافًا واضحة ودورًا جَليًا، يبلغها عندما تحقِّق عناصره مجتمعة الدرجة المرجُوَّة من الجمال المؤَثِّر. الفنّ في نظر الإِسلام عمل يعبد المؤمن به ربّه كما يعبده في كلّ أَعماله. ليحمل الفنّ الجمال الحق الذي يحبّه الله سبحانه وتعالى. فالفنّ والجمال ينطلقان من روح الإِسلام ونهجه، من الكتاب والسنّة، ليرسما لنا حقيقة هذا وذاك نظريًّا وممارسةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت